تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
وفي الاحتجاج بهذه الأحاديث نظر ، فأما قوله لعبد اللّه بن عامر فلا يمكن تنزيله إلا على ما عرفه صلّى اللّه عليه وسلم بنور النبوّة من حاله ، وأن لزوم البيت كان أليق به وأسلم له من المخالطة ، فإنه لم يأمر جميع الصحابة بذلك ، ورب شخص تكون سلامته في العزلة لا في المخالطة كما قد تكون سلامته في القعود في البيت وأن لا يخرج إلى الجهاد ، وذلك لا يدل على أن ترك الجهاد أفضل . وفي مخالطة الناس مجاهدة ومقاساة ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم » وعلى هذا ينزل قوله عليه السلام : « رجل معتزل يعبد ربه ويدع الناس من شره » فهذا إشارة إلى شرير بطبعه تتأذى الناس بمخالطته ، وقوله : « إن اللّه يحب التقي الخفي » إشارة إلى إيثار الخمول وتوقي الشهرة ، وذلك لا يتعلق بالعزلة فكم من راهب
شرح
الوصول للرحم اللطيف بهم من الضعفاء . وقال الطيبي : وإن كان المراد غني القلب اشتمل على الفقير الصابر والغني الشاكر منهم رواه أحمد ومسلم في آخر صحيحه عن سعد بن أبي وقاص كان في إبله فجاءه ابنه فقال : نزلت ههنا وتركت الناس يتنازعون الملك فضربه سعد في صدره فقال : اسكت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول فذكره . وقال أبو نعيم في الحلية : حدثنا أبو بكر بن خلاد ، حدثنا الحرث بن أبي أسامة ، حدثنا محمد بن عمر الواقدي ، حدثنا بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص سمعته يخبر عن أبيه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول فذكره . ( وفي الاحتجاج بهذه الأحاديث نظر ، فأما قوله صلّى اللّه عليه وسلم لعبد اللّه بن عامر ) كذا في النسخ ، وعند العراقي لعقبة بن عامر ( فلا يمكن تنزيله إلا على ما عرفه صلّى اللّه عليه وسلم بنور النبوة ) وصدق الفراسة من حاله ، ( فإن لزوم البيت كان أليق به وأسلم ) عاقبة ( له من هذه المخالطة ) المفضية إلى المتاعب ، وهو صلّى اللّه عليه وسلم حكيم بأحوال أمته ، ( فإنه لم يأمر جميع الصحابة بذلك فرب شخص تكون سلامته في العزلة ) عن الناس ( لا في المخالطة ) معهم ( كما قد تكون سلامته في القعود في البيت وأن لا يخرج إلى الجهاد ) مع الكفار ( وذلك لا يدل على أن ترك الجهاد أفضل وفي مخالطة الناس مجاهدة ومقاساة ) شدائد ، ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ) وفي رواية : أفضل ( من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم » ) قال العراقي : رواه الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عمر ولم يسم الترمذي الصحابة قال عن شيخ من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم والطريق واحد اه . قلت : ورواه كذلك أحمد والبخاري في الأدب المفرد ، وفي فتح الباري إسناده حسن . ( وعلى هذا ينزل قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « رجل معتزل ) في شعب من الشعاب ( يعبد ربه ويدع الناس من شره » فهذه إشارة إلى شرير ) أي رجل الشر والفساد ( بطبعه ) وجبلته ( يتأذى الناس بمخالطته ) لشره ، ( وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب ) العبد ( التقي ) الغني ( الخفي إشارة إلى إيثار
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 335 | مرتضى الزبيدي