تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
الناس . وقال يوسف بن مسلم لعلي بن بكار : ما أصبرك على الوحدة ؟ وقد كان لزم البيت فقال : كنت وأنا شاب أصبر على أكثر من هذا ؛ كنت أجالس الناس ولا أكلمهم ، وقال سفيان الثوري : هذا وقت السكوت وملازمة البيوت - وقال بعضهم : كنت في سفينة ومعنا شاب من العلوية فمكث معنا سبعا لا نسمع له كلاما ، فقلنا له : يا هذا قد جمعنا اللّه وإياك منذ سبع ولا نراك تخالطنا ولا تكلمنا ، فأنشأ يقول :
قليل الهمّ لا ولد يموت * ولا أمر يحاذره يفوت قضى وطر الصبا وأفاد علما * فغايته التفرد والسكوت
وقال إبراهيم النخعي لرجل تفقه ثم اعتزل ، وكذا قال الربيع بن خيثم ، وقيل : كان مالك بن أنس يشهد الجنائز ، ويعود المرضى ، ويعطي الإخوان حقوقهم ، فترك ذلك
شرح
قال حكيم من الحكماء العبادة ، أو قال : الحكمة عشرة أجزاء تسعة أجزاء في الصمت وواحد في العزلة فأدومت نفسي من الصمت على شيء فلم أقدر عليه فصرت إلى العزلة فحصلت لي التسعة . ( وقال يوسف بن مسلم لعلي بن بكار ) المصيصي صدوق مات في حدود الأربعين : ( ما أصبرك على الوحدة ، وقد كان لزم البيت ؟ فقال : كنت وأنا شاب أصبر على أشد من هذا . كنت أجالس الناس ولا أكلمهم ) . وقد جرى لداود الطائي هكذا فإنه جلس في مجلس أبي حنيفة سنة ترد عليه الفتاوى والأسئلة وهو لا يكلمهم ، ثم اعتزل الناس ، وقد علم من ذلك أن مخالطة الناس مع عدم الكلام معهم أشد من الانفراد والوحدة . ( وقال سفيان ) بن سعيد ( الثوري ) رحمه اللّه تعالى : ( هذا وقت السكوت وملازمة البيوت ) وزاد غيره فقال : والقناعة بأقل القوت . ( وقال بعضهم : كنت في سفينة ومعنا شاب من العلوية ) أي من ولد علي بن أبي طالب ( فمكث معنا سبعا ) أي سبع ليال ( لا نسمع له كلاما فقلنا له : يا هذا قد جمعنا اللّه وإياك منذ سبع ) ليال في هذه السفينة ( ولا نراك تخالطنا ولا تكلمنا فأنشأ يقول :قليل الهم ولا ولد يموت * ولا أمر يحاذره يفوت قضى وطر الصبّا وأفاد علما * فغايته التفرد والسكوتوقال إبراهيم ) بن يزيد ( النخعي ) رحمه اللّه تعالى ( لرجل ) قد رآه معتزلا عن الناس ( تفقه ثم اعتزل ) أي تعلم من أمور دينك ما يلزمك ثم اترك مخالطة الناس ، ( وكذلك قال الربيع بن خيثم ) الثوري الكوفي العابد : تقدم ذكره مرارا ، ( وقيل : كان ) الإمام أبو عبد اللّه ( مالك بن أنس ) الأصبحي رضي اللّه عنه ( يشهد الجنائز ويعود المرضى ويعطي الأخوان حقوقهم ) اللازمة مما تقدم ذكرها ، ( فترك ذلك واحدا واحدا ) بالتدرج كلها ، واستمر على