والمأثور عن العلماء من الكلمات ينقسم إلى كلمات مطلقة تدل على الميل إلى أحد الرأيين ، وإلى كلمات مقرونة بما يشير إلى علة الميل . فلننقل الآن مطلقات الكلمات لنبين المذاهب فيها ، وما هو مقرون بذكر العلة نورده عند التعرض للغوائل والفوائد ،
شرح
الصلاح غره صلاحهم فمال إليهم بجنسية الصلاحية ثم حصل بينهم استرواحات طبيعية جبلية حالت بينهم وبين حقيقة الصحبة للّه تعالى ، فاكتسب من طريقتهم الفتور والتخلف عن بلوغ الأرب ، فليتنبه الصادق لهذه الدقيقة ويأخذ من الصحبة أخص الأقسام ويذر منها ما يسد في وجه المرام ، ولهذا المعنى أنكرت طائفة من السلف الصحبة ورأوا فضيلة العزلة والوحدة كإبراهيم ابن أدهم ، وداود الطائي ، وفضيل بن عياض ، وسليمان الخواص ، وحكي عنه أنه قيل له : جاء إبراهيم بن أدهم أما تلقاه ؟ قال : لأن ألقى سبعا ضاريا أحب إلي من أن ألقى إبراهيم . قيل :
ولم ؟ قال : لأني إذا رأيته أحسن له كلامي فتظهر نفسي بإظهار أحسن أحوالها وفي ذلك الفتنة وهذا كلام عالم بالنفس وأخلاقها ، وهذا واقع بين المتصاحبين إلا من عصم اللّه تعالى ، ثم قال :
وقد رغب جمع من السلف في الصحبة والأخوة في اللّه تعالى ، ورأوا أن اللّه تعالى منّ على أهل الإيمان حيث جعلهم إخوانا ثم ساق الآيةهُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِإلى قولهبَيْنَهُمْ[ الأنفال : 62 ، 63 ] ثم قال : وقد اختار الأخوة والصحبة في اللّه سعيد بن المسيب وعبد اللّه بن المبارك وغيرهما ، وفائدة الصحبة أنها تفتح مسام الباطن ويكتسب الإنسان بها علم الحوادث والعوارض ، ويتصلب الباطن برزين العلم ، ويتمكن الصدق بطرو وهبوب الآفات ثم التخلص منها بالإيمان ويقع بطريق الصحبة والاخوة التعاضد والتعاون وتتقوى جنود القلب وتتروح الأرواح بالتشام ، ويتفق في التوجه إلى الرفيق الأعلى ويصير مثالها في الشاهد كالأصوات إذا اجتمعت خرقت الأجرام وإذا انفردت قصرت عن بلوغ المرام اه .
وقال النووي : اختلف العلماء في العزلة والاختلاط أيهما أفضل ؟ فمذهب الشافعي والأكثرين تفضيل الخلطة لما فيها من اكتساب الفوائد وشهود شعائر الإسلام ، وتكثير سواد المسلمين وايصال الخير إليهم ، والتعاون على البر والتقوى ، وإغاثة المحتاج فإن كان صاحب علم أو زهد تأكيد فضل اختلاطه . وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة لما فيها من السلامة المحققة لكن بشرط أن يكون عارفا بوظائف العبادة التي تلزمه . وقال الكرماني في شرح البخاري : المختار في عصرنا تفضيل الاعتزال لندور خلو المحافل من المعاصي . وقال البدر العيني : أنا موافق له فيما قال ، فإن الاختلاط مع الناس في هذا الزمان لا يجلب إلا الشرور ، وقال أبو البقاء الأحمدي : وأنا أقول بأفضلية العزلة لبعدها عن الرياء في العمل وخلو الخاطر وشهود سر الوحدانية في الأزل . قلت : وأنا موافق لما قالوا من تفضيل العزلة لفساد الزمان والاخوان واللّه المستعان .
( والمأثور عن العلماء من الكلمات ينقسم إلى كلمات مطلقة تدل على الميل إلى أحد الرأيين ، وإلى كلمات مقرونة بما يشير إلى علة الميل فننقل الآن مطلق تلك الكلمات لنبين المذاهب فيها وما هو مقرون بذكر العلة نورده عند التعرض للغوائل والفوائد فنقول :