تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
وحقر في قلوبهم النظر إلى متاع الدنيا وزهرتها حتى اغتبط بعزلته كل من طويت الحجب عن مجاري فكرته فاستأنس بمطالعة سبحات وجهه تعالى في خلوته ، واستوحش بذلك عن الانس بالإنس وإن كان من أخص خاصته ، والصلاة على سيدنا محمد سيد أنبيائه وخيرته وعلى آله وصحابته سادة الحق وأئمته . أما بعد ؛ فإن للناس اختلافا كثيرا في العزلة والمخالطة وتفضيل إحداهما على الأخرى ، مع أن كل واحدة منهما لا تنفك عن غوائل تنفر عنها وفوائد تدعو إليها ،
شرح
بمشاهدة آلائه ) أي نعمه الظاهرة والباطنة ( وعظمته ) أي جلاله وكبريائه ( وروح أسرارهم ) هي ما انطوت عليها قلوبهم أي جعلها ذات راحة ( بمناجاته ) أي مكالمته السرية ( وملاطفته ) المعنوية ( وحقر في قلوبهم النظر ) أي التطلع ( إلى ) ظاهر ( زينة الدنيا ) مما يتراءى من بهجتها ( وزهرتها ) وفي نسخة إلى متاع الدنيا وزهرته ، فالضمير راجع إلى المتاع وكأنه راعى بذلك تناسب القوافي أي جعل التطلع إليها حقيرا في قلوبهم لا في أعينهم إذ العمدة تحقيرها القلوب ، ولذلك كان بعض العارفين يقول : اللهم اجعل حبها في أيدينا لا في قلوبنا أي لا تشغل بها قلوبنا ، وأما تعظيمها في الأيدي والعيون فإنما هو من باب إعطاء كل تجل حظه ( حتى اغتبط بعزلته ) اسم من الاعتزال وهو تجنب السوى أو الخروج عن مخالطة الخلق بالانزواء والانقطاع والاغتباط بالشيء الإعجاب به ( كل من طويت الحجب ) أي أزيلت ورفعت ( عن مجاري فكرته ) أي ميادينها التي تجول فيها وتسترسل في أرجائها ( فاستأنس ) أي سكن ( بمطالعة ) أي مشاهدة ( سبحات وجهه تعالى ) بضمتين أي نوره وبهائه وجلاله وعظمته ( في خلوته ) أي في حال محادثة السر مع الحق حيث لا أحد ، فالخلوة أعلى مقاما من العزلة ومنهم من قال : الخلوة تكون من الأغيار والعزلة تكون من النفس وما تدعو إليه ويشغل عن اللّه فالخلوة كثيرة والعزلة قليلة ، وإليه جنح صاحب العوارف والمعروف الأول فقد كان صلّى اللّه عليه وسلم أتم مقاما وأحسن حالا فقد حبب إليه الخلاء ، ( واستوحش بذلك عن الأنس ) بالضم أي ميل الباطن ( بالإنس ) بالكسر وإن كان ذلك المستأنس به ( من أخص خاصته ) أي من أعظم من يختص بقربه ( والصلاة ) الكاملة ( على ) سيدنا ومولانا أبي القاسم ( محمد سيد أنبياء اللّه وخيرته ) منهم وسيادته عليهم ثبتت من عموم قوله صلّى اللّه عليه وسلم « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة » رواه مسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة ، ورواه أحمد والترمذي وابن ماجة بزيادة « ولا فخر » ( وعلى آله ) المشرفين بقرابته ( وصحبه ) المفضلين بحسن صحابته ( سادة الخلق ) أي رؤسائهم ( وأئمته ) الذين يقتدي بهم وسلم تسليما . ( أما بعد : فإن للناس ) المراد بهم العارفون باللّه تعالى من أهل السلوك في طريق الحق سبحانه ( اختلافا كثيرا في ) شأن ( العزلة والمخالطة ) ما هما ( و ) في ( تفضيل أحدهما على الآخر ) فاختار بعضهم العزلة وفضلها وآخرون الخلطة وعظمها ، ( مع أن كل واحد منهما )