والاستحسان يتبع المناسبة والملاءمة والموافقة بين الطباع ، ثم ذلك المستحسن إما أن يكون هو الصورة الظاهرة أعني حسن الخلقة ، وإما أن يكون هي الصورة الباطنة أعني كمال العقل وحسن الأخلاق ، ويتبع حسن الأخلاق حسن الأفعال لا محالة ويتبع كمال العقل غزارة العلم ، وكل ذلك مستحسن عند الطبع السليم والعقل المستقيم ، وكل مستحسن فمستلذ به ومحبوب ، بل في ائتلاف القلوب أمر أغمض من هذا فإنه قد تستحكم المودة بين شخصين من غير ملاحة في صورة ولا حسن في خلق وخلق ، ولكن لمناسبة باطنة توجب الألفة والموافقة فإنه شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع ، والأشياء الباطنة خفية ولها
شرح
ولو من وجه واحد ( وكل لذيذ محبوب ) كما أن كل محبوب لذيذ . ( واللذة تتبع الاستحسان ) أي إذا استحسن شيئا التذّ به ( والاستحسان يتبع المناسبة ) المعنوية ( والموافقة بين الطباع ) والمناسبة هي الملاءمة لأفعال العقلاء ، والطباع جمع طبع وهي الجبلة التي خلق عليها الإنسان ، ( وذلك المستحسن أما أن يكون هو الصورة الظاهرة أعني حسن الخلقة ) وحسنها بتمام التركيب واعتدال المزاج ظاهرا وباطنا ، ( وإما أن يكون في الصورة الباطنة أعني كمال العقل وحسن الخلق ) وهي هيئة للنفس راسخة تصد عنها الأفعال من غير احتياج إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجملية عقلا وشرعا بسهولة سميت الهيئة خلقا حسنا ( ويتبع حسن الأخلاق حسن الأفعال لا محالة ) كما أنه يتبع سئ الأخلاق سئ الأفعال ، وليس الخلق عبارة عن الفعل فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد مال أو لمانع ، وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل لباعث نحو حياء ورياء ( ويتبع كمال العقل غزارة العلم ، وكل ذلك مستحسن عند الطبع السليم ) عن وصمة النقص ( والعقل المستقيم ) بميزان الشرع ، ( وكل مستحسن يستلذ به ومحبوب بل في ائتلاف القلوب ) بعضها مع بعض ( أمر أغمض من هذا ) وأدق ( فإنه قد تستحكم المودّة بين شخصين من غير ملاحة صورة ) في الظاهر ولا ( حسن في خلق ) ظاهر ( و ) لا ( خلق ) معنوي ، ( ولكن بمناسبة باطنة توجب الإلفة والموافقة فإن شبه الشيء منجذب إليه بالطبع ) وقد اشتهر على الألسنة هذا القول : شبيه الشيء منجذب إليه ونظموه في مقاطيع ما بين مستحسن ومستقبح فمن الأخير ما أنشدني بعضهم :رأيت النخل يطلع كل قحف * وذاك الليف ملتف عليه
فقلت تعجبوا من صنع ربي * شبيه الشيء منجذب إليهوليس هو من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم كما تزعمه العامة . نعم معناه صحيح لقوله : « الأرواح جنود مجندة » كما سيأتي . وروى الديلمي من حديث أنس « إن للّه ملكا موكلا بتأليف الأشكال » وهو ضعيف . وأخرج الدينوري في تاسع المجالسة من طريق ابن أبي غزية الأنصاري عن الشعبي قال :
« إن للّه ملكا موكلا بجمع الأشكال بعضها إلى بعض » . ( والأشياء الباطنة خفية ) وإدراكها