أن الصحبة تنقسم إلى ما يقع بالاتفاق ، كالصحبة بسبب الجوار أو بسبب الاجتماع في المكتب أو في المدرسة أو في السوق أو على باب السلطان أو في الأسفار ، وإلى ما ينشأ اختيارا ويقصد ، وهو الذي نريد بيانه إذ الأخوّة في الدين واقعة في هذا القسم لا محالة إذ لا ثواب إلّا على الأفعال الاختيارية ولا ترغيب إلا فيها . والصحبة عبارة عن المجالسة والمخالطة والمجاورة . وهذه الأمور لا يقصد الإنسان بها غيره إلا إذا أحبه فإن غير المحبوب يجتنب ويباعد ولا تقصد مخالطته ، والذي يحب فإما أن يحب لذاته ليتوصل به إلى محبوب ومقصود وراءه وإما أن يحب للتوصل به إلى مقصود ، وذلك المقصود إما أن يكون مقصورا على الدنيا وحظوظها ، وإما أن يكون متعلقا بالآخرة ، وإما أن يكون متعلقا باللّه تعالى فهذه أربعة أقسام :
أما القسم الأول : وهو حبك الإنسان لذاته فذلك ممكن وهو أن يكون في ذاته محبوبا عندك على معنى انك تلتذ برؤيته ومعرفته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانك له ، فإن كل جميل لذيذ في حق من أدرك جماله وكل لذيذ محبوب . واللذة تتبع الاستحسان
شرح
تذكره : وهو أن الصحبة تنقسم إلى ما يقع بالاتفاق ) لا بالقصد والاختيار ، ( كالصحبة بسبب الجوار ) أي المجاورة في المسكن ( وبسبب الاجتماع في المكتب ) محل تعليم القرآن ( أو في المدرسة ) محل تحصيل العلم ( أو في السوق ) محل التجارة ( أو على باب السلطان ) محل قضاء الحاجات ( أو في الأسفار ) فكل هذه مصاحبات إتفاقية ( وإلى ما ينشأ اختيارا ) من نفسه ( ويقصد وهو الذي أردنا بيانه ) هنا ( إذ الأخوة في الدين واقعة في هذا القسم لا محالة إذ لا ثواب إلا على الأفعال الاختيارية فلا ترغيب إلا فيها ) وما وقعت من غير اختياره فلا ينتظر بها ثواب ولا رغبة ، ( والصحبة عبارة عن المخالطة والمجالسة والمجاورة ) مع الملازمة في كل منها ولا فرق بين أن يكون بالبدن وهو الأصل أو بالعناية والهمة ولا تطلق عرفا إلا لمن كثرت منه الملازمة والمصاحبة أبلغ من الاجتماع لأنها تقتضي طول لبثه فكل مصاحبة اجتماع ولا عكس . ( وهذه الأمور لا يقصد الإنسان بها غيره إلا إذا أحبه فإن غير المحبوب يجتنب ) عنه ( ويباعد إذ لا يقصد مخالطته ، والذي يحب إما أن يحب لذاته لا ليتوصل به إلى محبوب ومقصود وراءه ، وإما أن يحب للتوصل به إلى المقصود ، وذلك المقصود إما أن يكون مقصورا على الدنيا وحظوظها وإما أن يكون متعلقا بالآخرة ، وإما أن يكون متعلقا باللّه .
فهذه أربعة أقسام .
القسم الأول : وهو حب الإنسان لذاته ) لا لأمر سواه ( فذلك ممكن وهو أن يكون في ذاته محبوبا عندك على معنى أنك تتلذذ برؤيته ) ومشاهدته ( ومعرفته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانك له ) في سائر حركاته وسكناته ، ( فإن كل جميل لذيذ في حق من أدرك جماله )