تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
يسترون عورة ويحاسبون على النقير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير ، ينتصفون ولا ينصفون ويؤاخذون على الخطأ والنسيان ولا يعفون . يغرون الإخوان على الإخوان بالنميمة والبهتان ، فصحبة أكثرهم خسران وقطيعتهم رجحان ، إن رضوا فظاهرهم الملق وإن سخطوا فباطنهم الحنق ، لا يؤمنون في حنقهم ولا يرجون في ملقهم ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب ، يقطعون بالظنون ويتغامزون وراءك بالعيون ويتربصون بصديقهم من الحسد ريب المنون ، يحصون عليك العثرات في صحبتهم ليواجهوك بها في غضبهم ووحشتهم ولا تعول على مودة من لم تخبره حق الخبرة ، بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد فتجربه في عزله وولايته وغناه وفقره أو تسافر معه أو تعامله في الدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه ، فإن رضيته في هذه الأحوال فاتخذه أبا لك إن كان كبيرا أو ابنا لك إن كان صغيرا أو أخا إن كان مثلك . فهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق .
شرح
يسترون عورة ) أي عيبا ، ( ويحاسبون على النقير والقطمير ) أي الشيء التافة الحقير ، ( ويحسدون على القليل والكثير ينتصفون ) لأنفسهم من غيرهم ( ولا ينصفون ) في أنفسهم للغير ، ( ويؤاخذون على الخطأ والنسيان ) ويدققون ( ولا يعفون ) ولا يسامحون ، ( يعيرون ) ولا يغيرون ( ويمشون بين الإخوان بالنميمة والبهتان فصحبة أكثرهم خسران ) واتباع لهوى الشيطان ( وقطيعتهم رحجان ) والعزلة عنهم سلامة الإنسان ( إن رضوا فظاهرهم الملق ) بالتحريك ، ( وإن سخطوا فباطنهم الحنق ) بالتحريك أيضا وهو الاغتباط ( ولا يؤمنون في حنقهم ) فإنه يخشى من بوادرهم ، ( ولا يرجون في ملقهم ) أي تملقهم ( ظاهر ثياب ) فاخرة ، ( وباطنهم ذئاب ) كاسرة ( يقطعون بالظنون ) ويتهمون ( ويتغامزون وراءك بالعيون ) أي إذا قمت من عندهم ( ويتربصون ) أي ينتظرون ( بصديقهم من ) أجل ( الحسد ريب المنون ) أي الهلاك ( ويحصون عليك العثرات ) أي يعدونها ( في صحبتهم ليهجوك ) وفي نسخة : ليجبهوك ( بها في ) وفي نسخة : عند ( غضبهم ووحشتهم ولا تعوّل ) أي لا تعتمد ( على مودة من لم تخبره حق الخبرة إلا بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد وتجربة في ) حالتي ( عزله وولايته وغناه وفقره ) وعسره ويسره ، ( أو تسافر معه ) إلى موضع آخر ( أو تعامله في الدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه ) ، وقد مرّ بعض ذلك من قول سيدنا عمر رضي اللّه عنه : ( فإن رضيته ) في هذه الأحوال واختبرته خبرة الرجال ( فاتخذه أبا لك إن كان كبيرا ) فوقره توقير الأب ، ( أوابنا ) لك ( إن كان صغيرا ) فعامله معاملة الشفقة ، ( أو أخا لك إن كان مثلا لك ) في السن وقد روي مثل ذلك من قول الحسن بن علي رضي اللّه عنهما . ( فهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق ) على نياتهم واختلاف طبقاتهم واللّه أعلم .