لاستغنائك عنهم ، فإن اللّه يلجئك إليهم عقوبة على التكبر بإظهار الاستغناء . وإذا سألت أخا منهم حاجة فقضاها فهو أخ مستفاد وإن لم يقض فلا تعاتبه فيصير عدوا تطول عليك مقاساته ، ولا تشتغل بوعظ من لا ترى فيه مخايل القبول فلا يسمع منك ويعاديك ، وليكن وعظك عرضا واسترسالا من غير تنصيص على الشخص ، ومهما رأيت منهم كرامة وخيرا فاشكر اللّه الذي سخرهم لك واستعذ باللّه أن يكلك إليهم ، وإذا بلغك عنهم غيبة أو رأيت منهم شرا أو أصابك منهم ما يسوؤك فكل أمرهم إلى اللّه واستعذ باللّه من شرهم . ولا تشغل نفسك بالمكافأة فيزيد الضرر ويضيع العمر بشغله ، ولا تقل لهم لم تعرفوا موضعي .
واعتقد أنك لو استحقيت ذلك لجعل اللّه لك موضعا في قلوبهم فاللّه المحبب والمبغض إلى القلوب ، وكن فيهم سميعا لحقهم أصم عن باطلهم ، نطوقا بحقهم صموتا عن باطلهم ، واحذر صحبة أكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة ولا
شرح
فإن اللّه يلجئك إليهم ) ويضطرك لهم ( عقوبة على التكبر بإظهار الاستغناء ) وقد جرت سنة اللّه بذلك ، ( وإذا سألت أحدا منهم حاجة ) دنيوية ( فقضاها فهو أخ مستفاد ) فتمسك به ، ( وإن لم يقض ) لمانع ( فلا تعاقبه فيصير ) لك ( عدوّا ) يحقد عليك في نفسه ( تطول عليك مقاساته ) وتصعب معالجته ( ولا تشتغل بوعظ من لا ترى فيه ) لوائح ( القبول ) بقرائن ظاهرة ( فلا يسمع منك ) قولك ( ويعاديك وليكن وعظك ) لهم ( عرضا ) تعرف عليهم ( واسترسالا من غير تنصيص ) ولا تخصيص ( على الشخص ) بعينه كما كان صلّى اللّه عليه وسلم يفعل ذلك يقول إذا أراد التحذير عن شيء بلغه عن بعض أفراد أمته : ما بال رجال يقولون كذا ويفعلون كذا . ( ومهما رأيت منهم كرامة ) أي إكراما لك ( وخيرا ) وصل إليك ( فاشكر اللّه الذي سخرهم لك ) فانقادوا ( واستعذ باللّه أن يكلك إليهم ) فتنسى المنعم المطلق ، ( فإذا بلغك عنهم غيبة ) أي كلمة سوء في حق أحد من المسلمين ( أو رأيت منهم شرا ) لجماعة المسلمين ، ( أو أصابك منهم ما يشوّش ) القلب والخاطر ، ( فكل أمرهم إلى اللّه واستعذ باللّه من شرهم ولا تشغل نفسك بالمكافأة ) أي المجازاة ( فيزيد الضرر ) ويطير الشرر ( ويضيع العمر بشغله ، ولا تقل لهم ) أنتم ( لم تعرفوا موضعي ) من الحب .
( وأعتقد أنك لو استحقيت ذلك لجعل اللّه لك موضعا في قلوبهم ) ومهابة في عيونهم ( فاللّه ) عز وجل هو ( المحبب والمبغض إلى القلوب ) وقلوبهم بيده يصرفها كيف شاء ، ( وكن فيهم سميعا لحقهم ) فاعطه ما يستوجبه ، ( أصم عن باطلهم ) ولغوهم ، ( ونطوقا ) أي كثير النطق ( بحقهم صموتا ) كثير السكوت ( عن باطلهم ) فإنه لا يعنيك ، ( واحذر صحبة أكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة ) أي سقطة ، ( ولا يغفرون زلة ) أي خطيئة ، ( ولا