ومهما عظم أهل الدنيا في نفسك فقد عظمت الدنيا فتسقط من عين اللّه ، ولا تبذل لهم دينك لتنال من دنياهم فتصغر في أعينهم ثم تحرم دنياهم ، فإن لم تحرم كنت قد استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير ، ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة فيطول الأمر عليك في المعاداة ويذهب دينك ودنياك فيهم ويذهب دينهم فيك ، إلا إذا رأيت منكرا في الدين فتعادي أفعالهم القبيحة وتنظر إليهم بعين الرحمة لهم لتعرضهم لمقت اللّه وعقوبته بعصيانهم فحسبهم جهنم يصلونها ، فما لك تحقد عليهم ولا تسكن إليهم في مودتهم لك وثنائهم عليك في وجهك وحسن بشرهم لك فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة إلا واحدا وربما لا تجده ولا تشك إليهم أحوالك فيكلك اللّه إليهم ، ولا تطمع أن يكونوا لك في الغيب والسر كما في العلانية . فذلك طمع كاذب وأنى تظفر به ولا تطمع فيما في أيديهم فتستعجل الذل ولا تنال الغرض . ولا تعل عليهم تكبرا
شرح
عند اللّه جناح بعوضة كما ورد في الخبر ، ( ومهما عظم أهل الدنيا في نفسك ) وعينك ( فقد عظمت الدنيا ) لأنه لازم من تعظيم أهلها لأجلها تعظيمها ( فتسقط من عين اللّه عز وجل ) أي تبعد من رحمته ، ( ولا تبذل لهم دينك ) الذي هو رأس مالك ( لتنال من دنياهم ) التي بأيديهم ( فتصغر في أعينهم ) وتزول هيبتك عندهم ( ثم تحرم دنياهم ) أي لا يعطونك منها ، ( فإن لم تحرم كنت قد استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير ) وفي هذا سئل ابن المبارك عن حاله فأنشد :نرقع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع( ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة ) وتجاهر بها ( فيذهب دينك ودنياك فيهم ويذهب دينهم فيك ) فإن من لازم عداوتهم إن يعادوه ومعاداة أهل الإيمان محاربة اللّه ورسوله فتكون أنت سببا في ذلك ( إلا إذا رأيت منكرا ) شرعيا ( في الدين فتعادي أفعالهم القبيحة ) لا ذواتهم ( وتنظر إليهم بعين الرحمة لهم ) والشفقة عليهم ( لتعرضهم لمقت اللّه وعقوبته بعصيانهم ) وتمردهم على اللّه ( حسبهم جهنم يصلونها ) أي يدخلونها ( فما لك تحقد عليهم ) أي فمثل هؤلاء لا يحقدون ( ولا تسكن إليهم في مودتهم لك ) إن أظهروها ( و ) حسن ( ثنائهم ) لك و ( عليك في وجهك ) في ملأ من الناس ( وحسن بشرهم لك ) عند الملتقى ، ( فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة إلا واحدا وربما لا تجده ) ففي الخبر : الناس كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة ( و ) إن بليت بمعاشرتهم ( لا تشكو إليهم أحوالك فيكلك اللّه إليهم ) فتخسر عاقبتك فإن من وكله اللّه إلى غيره فقد هلك ( ولا تطمع أن يكونوا لك في الغيبة والسر كما ) يكونوا لك ( في العلانية فإن ذلك طمع كاذب ) وسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ( وأنّى تظفر بذلك ) فإنه كالمحال ( ولا تطمع فيما في أيديهم ) من الأموال والأرزاق ( فتستعجل الذل ) والهوان عندهم ( ولا تنال الغرض ) المطلوب منهم ( ولا تصد عنهم بكثرة استغنائك عنهم