هذا الحديث وسمعه ابن عمر قال : لقد فرطنا إلى الآن في قراريط كثيرة . والقصد من التشييع قضاء حق المسلمين والاعتبار . وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال :
اغدوا فإنا رائحون ، موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأوّل والآخر لا عقل له .
وخرج مالك بن دينار خلف جنازة أخيه وهو يبكي ويقول : واللّه لا تقرّ عيني حتى أعلم إلى ما صرت ولا واللّه لا أعلم ما دمت حيا . وقال الأعمش : كنا نشهد الجنائز فلا ندري لمن نعزي لحزن القوم كلهم ؟ ونظر إبراهيم الزيات إلى قوم يترحمون على ميت فقال : لو ترحمون أنفسكم لكان أولى ! إنه نجا من أهوال ثلاث : وجه ملك الموت قد رأى ، ومرارة الموت قد ذاق ، وخوف الخاتمة قد أمن . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « يتبع الميت ثلاث
شرح
أحمد وابن ماجة وأبو عوانة والدارقطني في الأفراد ، والطبراني في الأوسط ، والضياء في المختارة .
وأما حديث ابن مسعود فلفظه كلفظ حديث ثوبان وهي الرواية الثانية التي تقدم ذكرها .
( ولما روى أبو هريرة ) رضي اللّه عنه ( هذا الحديث وسمعه ابن عمر ) رضي اللّه عنه ( قال ) مصدقا له : ( لقد فرطنا ) إذا ( في قراريط كثيرة ) هكذا هو في صحيح البخاري ( والقصد ) الأعظم ( من التشييع ) أي من اتباع الجنازة ( أداء حق المسلمين ) إذ هو من جملة الحقوق المذكورة في الحديث المتقدم في أوّل الباب . ( والاعتبار ) والتفكر بما يؤول إليه الحال .
( كان مكحول الدمشقي ) هو أبو عبد اللّه بن أبي مسلم شهراب بن شادك بن سند بن شروان بن يزدك بن يعوث بن كسرى ، وكان جده من أهل هراة ، فتزوّج امرأة من ملوك كابل ثم هلك عنها فانصرفت إلى أهلها فولدت شهراب ، فلم يزل في أخواله بكابل حتى ولد مكحول وسبي من ثمة فرفع إلى سعيد بن العاص فوهبه لامرأة من هذيل فأعتقته ، تابعي ثقة . روى عن عدة من الصحابة ، وهو فقيه أهل الشام ، صدوق مات سنة اثنتي عشرة ومائة وقيل غير ذلك ( إذا رأى جنازة قال : اغدوا فإنا رائحون ) الغدوّ السير في أول النهار والرواح في آخره ( موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول ) فالأول ( والآخر لا عقل له ) فإنه لو كان له عقل لاتعظ بها فالسعيد من وعظ بغيره .
( وخرج ) أبو يحيى ( مالك بن دينار ) البصري ( خلف جنازة أخيه وهو يبكي ويقول : لا تقر عيني حتى اعلم ما صرت ، ولا واللّه لا أعلمه ما دمت حيا . وقال ) سليمان بن مهران ( الأعمش ) الكوفي ، ( كنا نشهد الجنازة فلا ندري من نعزي لحزن القوم كلهم ) فلا يدري من المعزي فيهم وهذا لكثرة اعتبارهم بالموت . ( ونظر إبراهيم الزيات ) أحد العارفين باللّه ( إلى أناس يترحمون على ميت ، فقال : لو ترحمون أنفسكم لكان أولى إنه ) أي الميت ( قد نجا من أهوال ثلاثة : وجه ملك الموت وقد رأى ) وذلك عند قبض روحه ، ( ومرارة الموت قد