صلّى اللّه عليه وسلم : « كل أمتي معافى إلا المجاهرين ، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل السوء سرا ثم
شرح
أي الملائكة الشهود وهم الحفظة ( هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة اللّه على الظالمين » ) قال العراقي : متفق عليه .
قلت : وأخرج الحكيم الترمذي من مرسل جبير بن نفير في أثناء حديث قيل : يا رسول اللّه وهل على المؤمن من ستر ؟ قال : « ستور اللّه على المؤمن أكثر من أن تحصى إن المؤمن ليعمل بالذنوب فيهتك عنه سترا سترا حتى لا يبقى عليه منه شيء فيقول اللّه للملائكة : استروا على عبدي من الناس فإنهم يعيرون ولا يغيرون فتحف الملائكة بأجنحتها يسترونه عن الناس فإن تاب قبل اللّه منه ورد عليه ستوره ومع كل ستر تسعة استار فإن تتابع في الذنوب قالت الملائكة : يا ربنا إنه قد غلبنا وأقذرنا فيقول اللّه : استروا عبدي من الناس فان الناس يعيرون ولا يغيرون فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس ، فإن تاب قبل اللّه منه وإن عاد قالت الملائكة : ربنا إنه قد غلبنا وأقذرنا فيقول اللّه للملائكة : تخلوا عنه فلو عمل ذنبا في بيت مظلم في ليلة مظلمة في جحر أبدى اللّه عنه وعن عورته » .
( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « كل أمتي معافى ) اسم مفعول من عافاه اللّه بمعنى عفا اللّه عنه أو سلمه وسلم منه ، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث معافاة بالهاء في آخره . كذا نقله النووي نقلا عن النسخ المعتمدة من صحيح مسلم ، والذي في نسخ المصابيح وغيرها كما هنا . قال الطيبي : وعليه فينبغي له أن تكتب ألفه ياء ليكون مطابقا للفظ كل . ( إلا المجاهرون » ) كذا في نسخ الكتاب كلها ، والرواية إلا المجاهرين ، ووجه ما هنا بأن معافى في معنى النفي فيكون استثناء من كلام غير موجب ، والتقدير : كل أمتي لا ذنب لهم إلا المجاهرين ، وتقديره على الثاني : لكن المجاهرين بالمعاصي لا يعافون من جاهر بكذا بمعنى جهر به ، وعبر بفاعل للمبالغة أو على ظاهر المفاعلة ، والمراد الذي يجاهر بعضهم بعضا بالتحدث بالمعاصي ، وجعل منه ابن جماعة إفشاء ما يكون بين الزوجين من المباح ، ويؤيده الخبر المشهور في الوعيد عليه . ( وإن من المجاهرة ) وفي رواية : وإن من الجهار أي الإظهار والإذاعة ( أن يعمل الرجل سرا ثم يخبر به » ) قال العراقي : متفق عليه من حديث أبي هريرة اه .
قلت : وكذلك رواه أبو يعلى وغيرهم ولفظهم جميعا . أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره اللّه تعالى ، فيقول : عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات بستر ربه ويصبح يكشف ستر اللّه عنه . ورواه الطبراني في الأوسط والصغير بسند ضعيف من حديث أبي قتادة وفيه بعد قوله إلا المجاهرين الذي يعمل العمل بالليل فيستره ربه ، ثم يصبح فيقول يا فلان إني عملت البارحة كذا وكذا فيكشف ستر اللّه عنه . واعلم أن إشهار الذنب في الملأ جناية منه على ستر اللّه عز وجل الذي أسدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه أو أشهده فهما جنايتان إنضمتا إلى جنايته فتغلظت به ، فإن انضاف إلى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه صارت جناية رابعة وتفاحش الأمر ، وسيأتي للمصنف في المهلكات أن الكشف المذموم إذا وقع على وجه المجاهرة والاستهزاء لا على