تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
قاعدا مع عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه ، إذ جاءه رجل بآخر ، فقال : هذا نشوان ، فقال عبد اللّه بن مسعود : استنكهوه فاستنكهوه فوجدوه نشوانا فحبسه حتى ذهب سكره ، ثم دعا بسوط فكسر ثمره ثم قال للجلاد اجلد وارفع يدك واعط كل عضو حقه فجلده وعليه قباء أو مرط ، فلما فرغ قال للذي جاء به : ما أنت منه ؟ قال عمه ، قال عبد اللّه : ما أدبت فأحسنت الأدب ولا سترت الحرمة ! إنه ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حدّ أن يقيمه وإن اللّه عفوّ يحب العفو ثم قرأ :
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا
[ النور : 22 ] ، ثم قال : « إني لأذكر أول رجل قطعه النبي صلّى اللّه عليه وسلم أتي بسارق فقطعه فكأنما أسف وجهه ، فقالوا : يا رسول اللّه كأنك كرهت قطعه ، فقال : وما يمنعني ! لا تكونوا عونا للشياطين على أخيكم . فقالوا : ألا عفوت عنه ؟ فقال : إنه ينبغي للسلطان إذا انتهى إليه حد أن يقيمه إن اللّه عفو يحب العفو وقرأ :
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ
شرح
ستر عبده وقد ستره اللّه تعالى . ( وقال بعضهم : كنت قاعدا مع عبد اللّه بن مسعود ) رضي اللّه عنه ( إذ جاءه رجل تاجر فقال : هذا نشوان ) أي سكران ( فقال عبد اللّه بن مسعود ) رضي اللّه عنه : ( استنكهوه ) أي شموه ( ففعلوا ) به ذلك ( فوجدوه نشوانا ) كما قال ، ( فحبسه حتى ذهب سكره ثم دعا بسوط فكسر ثمرته ثم قال للجلاد : اجلد وارفع يدك واعط كل عضو حقه فجلده وعليه قباء أو مرط ) بكسر الميم كساء من صوف ، وفي نسخة أو قرطق وهو بضم القاف وفتح الطاء معرب كرته وهو قميص صغير على الجسد ، ( فلما فرغ ) الجلاد ( قال للذي جاء به : ما أنت منه ؟ قال ) أنا ( عمه ) في النسب ( فقال له عبد اللّه ) رضي اللّه عنه : ( ما أدبت فأحسنت الأدب ولا سترت الخزية ) أي الفضيحة والمذلة الحاصلة من تلك الفعلة ( أنه ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد ) من حدود اللّه ( أن يقيمه ) كما أمر اللّه تعالى ، ( وأن اللّه عفو يحب العفو ، ثم قرأ ) قوله تعالى :وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُواقال : ثم شرع يحدثنا فقال : ( إني لأذكر أول رجل قطعه النبي صلّى اللّه عليه وسلم أتي بسارق فقطعه ) أي قطع يده ( فكأنما أسف وجهه ) أي تغير من الإسفاف ، ( فقالوا : يا رسول اللّه كأنك كرهت قطعه ؟ فقال : « ما يمنعني ) عن الكراهة ( لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم ) أي لا تتبعوا الشيطان ولا تكونوا عونا له فإنه يفرح في إخوانكم المسلمين إذا أصيبوا بمثل ذلك ، ( فقالوا : ألا عفوت ) يا رسول اللّه ( فقال : إنه ينبغي للسلطان إذا انتهى إليه حد ) من حدود اللّه ( أن يقيمه إن اللّه عفو يحب العفو ) وهذه الجملة أعني قوله أن اللّه هنا حديث مستقل رواه الحاكم عن ابن مسعود ، ورواه ابن عدي من حديث عبد اللّه بن جعفر ، ( وقرأوَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . قال العراقي : رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد .