تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
كيف شئت ! وقال آخر : لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت ويعتذر إليك إذا أسأت ويحمل عنك مؤنة نفسك ويكفيك مؤنة نفسه . وقائل هذا قد ضيق طريق الأخوة على الناس وليس الأمر كذلك ، بل ينبغي أن يؤاخي كل متدين عاقل ويعزم على أن يقوم بهذه الشرائط ولا يكلف غيره هذه الشروط حتى تكثر إخوانه ، إذ به يكون مؤاخيا في اللّه وإلا كانت مؤاخاته لحظوظ نفسه فقط . ولذلك قال رجل للجنيد : قد عز الإخوان في هذا الزمان أين أخ لي في اللّه ؟ فأعرض الجنيد حتى أعاده ثلاثا ، فلما أكثر ، قال له الجنيد : إن أردت أخا يكفيك مؤنتك ويتحمل أذاك فهذا لعمري قليل ، وإن أردت أخا في اللّه تحمل مؤنته وتصبر على أذاه فعندي جماعة أعرفهم لك . فسكت الرجل . واعلم أن الناس ثلاثة : رجل تنتفع بصحبته ، ورجل تقدر على أن تنفعه ولا تتضرر به ولكن لا تنتفع به ، ورجل لا تقدر أيضا على أن تنفعه وتتضرر به وهو الأحمق أو السئ الخلق فهذا الثالث ينبغي أن تتجنبه ، فأما الثاني فلا تجتنبه لأنك تنتفع في الآخرة
شرح
يتوب عنك إذا أذنبت ويعتذر لك ) وفي نسخة إليك ( إذا أسأت ويحمل عليك مؤنة نفسه ويكفيك مؤنة نفسك ) كذا في القوت قال : وهذا من أعز الأوصاف في هذا الوقت ، وحاول المصنف الرد عليه فقال : ( وقائل هذا قد ضيق طريق الآخرة على الناس وليس الأمر كذلك ، بل ينبغي أن يؤاخي ) الإنسان ( كل متدين عاقل ويعزم على أن يقوم بهذه الشروط ولا يكلف غيره هذه الشروط حتى تكثر إخوانه ) في اللّه تعالى ( إذ به يكون مؤاخيا في اللّه ) عز وجل وإلا كانت مؤاخاته لحظوظ نفسه فقط ، ( وكذلك قال رجل للجنيد ) ولفظ القوت كما قاله بعض الناس : ( قد عز الإخوان في هذا الزمان أين أخ لي في اللّه ؟ فاعرض الجنيد حتى أعاده ثلاثا ) ولفظ القوت : قد عز في هذا الوقت أخ في اللّه قال : فسكت الجنيد عنه فأعاد ذلك فتغافل عنه ، ( فلما أكثر قال له ) الجنيد : ( إن أردت أخا ) في اللّه تعالى ( يكفيك مؤنتك ويتحمل أذاك فهو ) ولفظ القوت فهذا ( لعمري قليل ، وإن أردت أخا في اللّه ) تعالى ( تحمل ) أنت مؤنته وتصبر على أذاه ( فعندي جماعة أعرفهم لك ) وفي بعض نسخ القوت : أدلك عليهم إن أحببت قال : ( فسكت الرجل ) كذا في القوت . قال : وهذا لعمري يكون محبا لنفسه إذا اقتضى من أخيه هذا لا محبا في اللّه عز وجل ، وقد قيل : ليس الإخاء في اللّه كف الأذى هذا واجب ، وإنما الإخاء الصبر على الأذى . ( وأعلم أن الناس ثلاثة : رجل تنتفع بصحبته ، ورجل تقدر على أن تنفعه ولا تتضرر به ولكن لا تنتفع به ، ورجل لا تقدر على أن تنفعه وتتضرر به وهو الأحمق ) أي الناقص العقل ( والسيء الخلق ، فهذا الثالث ينبغي أن يجتنب ) اصطحابه وقد تقدم ما يتعلق به ،