مرض الحبيب فعدته * فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيب يعودني * فبرئت من نظري إليه
وظن الناس لصدق مودتهما أنه يفوض أمر حلقته إليه بعد وفاته ، فقيل للشافعي في علته التي مات فيها رضي اللّه عنه : إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد اللّه ؟ فاستشرف له محمد بن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومىء إليه ، فقال الشافعي : سبحان اللّه أيشك في هذا أبو يعقوب البويطي ؟ فانكسر لها محمد ومال أصحابه إلى البويطي مع أن محمدا كان قد حمل عنه مذهبه كله ، لكن كان البويطي أفضل وأقرب إلى الزهد والورع ، فنصح الشافعي للّه وللمسلمين وترك المداهنة ولم يؤثر رضا الخلق على رضا اللّه تعالى . فلما توفي
شرح
( مرض الحبيب فعدته * فمرضت من حزني عليه )فقال محمد في جوابه :( فأتى الحبيب يعودني * فبرئت من نظري إليه )( وظن الناس لصدق مودتهما ) وأخوّتهما ( أنه ) أي الشافعي ( يفوّض أمر حلقته ) بسكون اللام ( بعد وفاته إليه ) أي في جامع عمرو بن العاص ، ( فقيل للشافعي ) رحمه اللّه تعالى ( في علته التي مات فيها ) في سنة أربع : ( إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد اللّه ) وهي كنية الشافعي ؟
( فاستشرف له محمد بن عبد الحكم ) وتطاول ( وهو عند رأسه ليوميء إليه ) أي يشير ، ( فقال الشافعي ) رحمه اللّه تعالى : ( سبحان اللّه أيشك فيها ) ولفظ القوت في هذا ؟ ( أبو يعقوب البويطي ) يوسف بن يحيى القريشي مولاهم المصري الفقيه وبويط كزبير قرية بالصعيد الأوسط وهو أكبر أصحاب الشافعي وقد اختص بصحبته واشتهر بها وحدث عنه وعن عبد اللّه بن وهب وغيرهما ، وعنه الربيع المرادي وإبراهيم الحربي ومحمد بن إسماعيل الترمذي وأبو حاتم وآخرون ، وله المختصر المشهور الذي اختصره من كلام الشافعي ، وقد قرأه على الشافعي بحضرة الربيع ، وكان الشافعي رحمه اللّه تعالى يعتمد البويطي في الفتيا ويحيل عليه إذا جاءته مسألة . حمل مقيدا في الحديد من مصر إلى بغداد في فتنة خلق القرآن وحبس حتى مات سنة 231 ، ( فانكسر لها محمد ) بن عبد الحكم ووجد في نفسه ، ( ومال أصحابه إلى البويطي ) فتخرج على يديه أئمة تفرقوا في البلاد ونشروا علم الشافعي في الآفاق ( مع أن محمدا كان قد حمل عنه مذهبه ) وعلمه ( كله ) مع معرفته لمذهب مالك ، ( لكن كان البويطي أفضل وأقرب إلى الزهد والورع ) وكان سريع الدمعة غالب أوقاته الذكر ودرس العلم وغالب ليله التهجد والتلاوة . وقال الربيع :
كان البويطي أبدا يحرك شفتيه بذكر اللّه عز وجل ، وما أبصرت أحدا أسرع لهجة في كتاب اللّه من البويطي ، ( فنصح الشافعي ) رحمه اللّه تعالى ( للّه ) عز وجل ( وللمسلمين وترك المداهنة ) أي حمله نصحه للدين والنصيحة للمسلمين ولم يداهن في ذلك ، ( ولم يؤثر رضا الخلق على رضا