« المؤمن سريع الغضب سريع الرضا » فلم يصفه بأنه لا يغضب . وكذلك قال اللّه تعالى :
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
[ آل عمران : 134 ] ولم يقل والفاقدين الغيظ ، وهذا لأن العادة لا تنتهي إلى أن يجرح الإنسان فلا يتألم ، بل تنتهي إلى أن يصبر عليه ويحتمل ، وكما أن التألم بالجرح مقتضى طبع البدن فالتألم بأسباب الغضب طبع القلب ولا يمكن قلعه ولكن يمكن ضبطه وكظمه والعمل بخلاف مقتضاه فإنه يقتضي التشفي والانتقام والمكافأة وترك العمل بمقتضاه ممكن ، وقد قال الشاعر :
ولست بمستبق أخا لا تلمه * على شعث أي الرجال المهذب ؟
قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري : إذا واخيت أحدا في هذا الزمان فلا تعاتبه على ما تكرهه فإنك لا تأمن من أن ترى في جوابك ما هو شر من الأول قال :
شرح
والحرث بن أبي أسامة والبيهقي في الشعب وفي الباب عن عائشة بلفظ « من اعتذر إليه أخوه المسلم من ذنب قد أتاه فلم يقبل لم يرد على الحوض » رواه أبو الشيخ .
( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « المؤمن سريع الغضب سريع الرضا » ) كذا في القوت وزاد فهذه بهذه . قال العراقي : لم أجده هكذا ، وللترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد الخدري « إلا أن بني آدم خلقوا على طبقات شتى » الحديث ، وفيه « ومنهم سريع الغضب سريع الفيء فتلك بتلك » انتهى .
قلت : وله شاهد من حديث علي « خيار أمتي أحداؤهم وهم الذين إذا غضبوا رجعوا » رواه البيهقي في الشعب والطبراني في الأوسط بسند فيه يغنم بن سالم بن قنبر وهو كذاب ، وأخرج الديلمي من طريق الزبير بن عدي عن أنس رفعه « الحدة لا تكون إلا في صالح أمتي وأبرارها ثم تفيء » ( فلم يصفه بأنه لا يغضب ) أصلا ، ( وكذا قال اللّه تعالى ) في حق المؤمنين( وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَولم يقل الفاقدين الغيظ ) فإنما ركبت هذه الصفات والقوى محكا لامتحان كل مؤمن كامل عن غيره ، ( وهذه لأن العادة لا تنتهي إلى أن يجرح الإنسان فلا يتألم بل تنتهي إلى أن يصبر عليه ويحتمل ) له ، ( وكما أن التألم بالجرح مقتضى طبع البدن فالتألم بأسباب الغضب طبع للقلب ولا يمكن قلعه ) وإزالته ، ( ولكن يمكن ضبطه ) وحبسه ( وكظمه والعمل بخلاف مقتضاه فإنه ) أي الغضب ثوران دم من القلب متى تحرك تتولد منه أحوال خبيثة ومتى تحقق تحركه على من هو دونه فإنه ( يقتضي التشفي والانتقام والمكافأة وترك العمل بمقتضاه ممكن ، وقد قال الشاعر :
ولست بمستبق أخا لا تلمه ) أي لا تصلحه ( على شعث ) أي تفرق وفساد حال ( أي الرجال المهذب ) أي أرني المهذب الأخلاق الكامل من الرجال فإنه قليل الوجود عزيز النظير .
( قال أبو سليمان الداراني ) رحمه اللّه تعالى ( لأحمد بن أبي الحواري ) وكان تلميذه : يا أحمد ( إذا واخيت أخا في هذا الزمان فلا تعاتبه على ما تكرهه ) منه ، ( فإنك لا تأمن أن