تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
الأخوة فقد قيل : ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرا ، فإن لم يقبله قلبك فرد اللوم على نفسك فتقول لقلبك ما أقساك يعتذر إليك أخوك سبعين عذرا فلا تقبله فأنت المعيب لا أخوك ، فإن ظهر بحيث لم يقبل التحسين فينبغي أن لا تغضب إن قدرت ولكن ذلك لا يمكن ، وقد قال الشافعي رحمه اللّه : من استغضب فلم يغضب فهو حمار ، ومن استرضي فلم يرض فهو شيطان فلا تكن حمارا ولا شيطانا ، واسترض قلبك بنفسك نيابة عن أخيك واحترز أن تكون شيطانا إن لم تقبل . قال الأحنف : حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثا : ظلم الغضب ، وظلم الدالة ، وظلم الهفوة . وقال آخر : ما
شرح
تمهيد عذره فيه قريب أم بعيد فهو واجب بحق الاخوّة ، فقد قيل : ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرا فإن لم يقبله قلبك فرد اللوم على نفسك فقل لقلبك ما أقساك يعتذر إليك أخوك سبعين عذرا فلا تقبله فأنت المعيب لا أخوك ) ، وقد قيل القول قد نقل بمعناه عن ابن سيرين فإنه كان يقول : يحتمل الرجل لأخيه إلى سبعين زلة ويطلب له المعاذير ، فإن أغناه ذلك وإلّا قال : لعل لأخي عذر غاب عني ، وأما رد اللوم على النفس فهو عند اتهامها في سوء أخلاقها وكراهتها لغيرها لسبب أو لغير سبب ، فينبغي أن يرد اللوم عليها حينئذ لأن ذلك من وساوس الشيطان فيداوي العبد نفسه برد اللوم عليها ، وقد وقع ذلك للعارفين باللّه كثيرا ، فمنها ما تقدم للمصنف في حكاية أبي بكر الكتاني قريبا ، ( فإن ظهر عيب بحيث لم يقبل التحسين ) أصلا ( فينبغي أن لا تغضب إن قدرت ) على ذلك ، ( ولكن ذلك لا يمكن ، وقد قال ) الإمام ( الشافعي ) رضي اللّه عنه فيما أخرجه الأبدي وأبو نعيم والبيهقي كلهم في مناقبه بأسانيدهم إلى الربيع وأحمد بن سنان كلاهما عن الشافعي أنه قال : ( من استغضب فلم يغضب فهو حمار ، ومن استرضى فلم يرض فهو شيطان ) وأراد بكونه حمارا أنه بليد لا يعي ، وأخرج البيهقي في الشعب عن جعفر الصادق قال : من لم يغضب عند التقصير لم يكن له شكر عند المعروف ، ( فلا تكن حمارا ) بليدا ( ولا شيطانا ) مريدا ، ( واسترض قلبك بنفسك نيابة عن أخيك واحترز أن تكون شيطانا إن لم تقبل ) فقد يكون الغضب محمودا في بعض الأحيان وبه تكمل الخليقة الإنسانية . وقال الراغب : الغضب في الإنسان نار تشتعل والناس مختلفون ، فمنهم كالحلفاء سريع الوقود سريع الخمود ، وبعضهم كالعصي بطيء الوقود بطيء الخمود ، وبعضهم سريع الوقود بطيء الخمود ، وبعضهم على عكس ذلك وهو أحمدهم ما لم يكن مفضيا به إلى زوال حميته وفقدان غيرته واختلافهم تارة يكون بحسب الأمزجة ، وتارة بحسب اختلاف العادة وأسرع الناس غضبا الصبيان والنساء ، وأكثرهم ضجرا الشيوخ . ( وقال الأحنف ) بن قيس التميمي تقدمت ترجمته مرارا ( حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثة ظلم الغضب ) أي إذا غضب عليك فاحتمله إذ هو نار تشتعل وإخمادها السكوت
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 130 | مرتضى الزبيدي