اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم في عشيرته :
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
[ الشعراء : 216 ] ولم يقل إني بريء منكم مراعاة الحق القرابة ولحمة النسب ، وإلى هذا أشار أبو الدرداء لما قيل له : ألا تبغض أخاك وقد فعل كذا ؟
فقال : إنما أبغض عمله وإلّا فهو أخي وأخوة الدين أوكد من أخوة القرابة ، ولذلك قيل لحكيم : أيما أحب إليك أخوك أو صديقك ؟ فقال : إنما أحب أخي إذا كان صديقا لي . وكان الحسن يقول : كم من أخ لم تلده أمك ؟ ولذلك قيل : القرابة تحتاج إلى مودة ، والمودة لا تحتاج إلى قرابة . وقال جعفر الصادق رضي اللّه
شرح
يجوز أن يهجر بالمعصية ، ولذلك قال اللّه عز وجل لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم في ) حق ( عشيرته ) وقرابته( فَإِنْ عَصَوْكَ )ولم يتبعوك( فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَولم يقل ) فقل ( إني بريء منكم مراعاة لحق القرابة ولحمة النسب ) نقله صاحب القوت . وقال صاحب العوارف : ففيه أنه لا يبغض الأخ بعد الصحبة ولكن يبغض عمله وفيه تقوية لما ذهب إليه أبو الدرداء وغيره من الصحابة ، ( وإلى هذا أشار أبو الدرداء ) رضي اللّه عنه ( لما قيل له : ألا تبغض أخاك وقد فعل كذا ) ولفظ القوت : وروينا عن أبي الدرداء أن شابا غلب على مجلسه حتى أحبه أبو الدرداء فكان يقدمه على الأشياخ ويقربه فحسدوه ، وإن الشاب وقع في كبيرة من الكبائر فجاؤوا إلى أبي الدرداء فحدثوه وقالوا له لو أبعدته . ( فقال ) : سبحان اللّه لا نترك صاحبنا لشيء من الأشياء ، ولفظ العوارف قيل : كان شاب يلازم مجلس أبي الدرداء ، وكان أبو الدرداء يميزه على غيره فابتلي الشاب بكبيرة من الكبائر فانتهى إلى أبي الدرداء ما كان منه فقيل له لو أبعدته وهجرته ، فقال :
سبحان اللّه لا يترك الصاحب لشيء كان فيه انتهى .
ثم قال صاحب القوت : وروينا عن بعض التابعين وعن الصحابة في مثل ذلك وقد قيل له فيه فقال : ( إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي ) فانظر كيف خلط المصنف بين قولين . وقال أبو نعيم في الحلية : حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة أن أبا الدرداء مرّ على رجل قد أصاب ذنبا فكانوا يسبونه ، فقال : أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه ؟ قالوا : بلى . قال : فلا تسبوا أخاكم واحمدوا اللّه الذي عافاكم .
قالوا : أفلا تبغضه ؟ قال : إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي .
( واخوّة الدين آكد من أخوّة القرابة ، ولذلك قيل لحكيم ) مرة : ( أيما أحب إليك أخوك ) أي في النسب ( أو صديقك ) أي في المحبة ؟ ( فقال : إنما أحب أخي إذا كان صديقا لي ) كذا في القوت أشار بذلك إلى تأكيد حق الصداقة والأخوّة في اللّه . ( وكان الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى ( يقول : كم من أخ لم تلده أمك ) كذا في القوت وقد صار هذا مثلا في تأكيد حق الصداقة ، وأورده الحريري في مقاماته بلفظ : فرب أخ لم تلده أمك ، ( ولذلك قيل :
القرابة تحتاج إلى مودة والمودة لا تحتاج إلى قرابة ) وقال أكتم بن صيفي لبنيه : يا بني تقاربوا