تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
بشأنه فنزل إلى المدينة فلم يزل يسأل عنه حتى دلّ عليه فدخل إليه وهو جالس معها فاعتنقه وجعل يقبله ويلتزمه ، وأنكر الآخر أنه يعرفه قط لفرط استحيائه منه . فقال : قم يا أخي فقد علمت شأنك وقصتك وما كنت قط أحب إليّ ولا أعز من ساعتك هذه ، فلما رأى أن ذلك لم يسقطه من عينه قام فانصرف معه ، فهذه طريقة قوم وهي ألطف وأفقه من طريقة أبي ذر رضي اللّه عنه وطريقته أحسن وأسلم . فإن قلت : ولم قلت هذا ألطف وأفقه ومقارف هذه المعصية لا تجوز مؤاخاته ابتداء فتجب مقاطعته انتهاء لأن الحكم إذا ثبت بعلة فالقياس أن يزول بزوالها ، وعلة عقد الأخوّة التعاون في الدين ولا يستمر ذلك مع مقارفة المعصية ؟ فأقول : أما كونه ألطف فلما فيه من الرفق والاستمالة والتعطف المفضي إلى الرجوع والتوبة لاستمرار الحياء عند دوام الصحبة ، ومهما قوطع وانقطع طمعه عن الصحبة أصر واستمر . وأما كونه أفقه فمن حيث أن الأخوّة عقد ينزل منزلة القرابة ، فإذا انعقدت تأكد الحق ووجب الوفاء
شرح
بجنايته ( قال : فافتقده أخوه ) الذي في الجبل ( واهتم لشأنه فنزل المدينة فلم يزل يسأل عنه حتى دل عليه ) وأخبر بمكانه ، ( فدخل عليه وهو جالس معها فاعتنقه وجعل يقبله ويلتزمه وأنكر الآخر أنه يعرفه لفرط استحيائه منه فقال : قم يا أخي فقد علمت بشأنك وقصتك وما كنت قط أحب إليّ ولا أعز علي من ساعتك هذه ) ولفظ القوت وما كنت أعز علي وأحب منك في يومك هذا ولا ساعتك هذه ، ( فلما رأى أن ذلك لم يسقطه عن عينه قام فانصرف معه ) هكذا أورده صاحب القوت ، ( فهذه طريقة قوم وهي ألطف وأفقه من طريق أبي ذر ) رضي اللّه عنه ( وطريقته أحسن وأسلم ) ولفظ القوت : فهذا من أحسن النيات وهو من طريق العارفين من ذوي الآداب والمروءات . ( فإن قلت : فلم قلت إن هذا ألطف وأفقه ومقارف هذه المعصية لا تجوز مؤاخاته ) في اللّه تعالى ( ابتداء ) أي في بادىء الأمر ( فلم لا تجب مقاطعته انتهاء ) أي في آخر الأمر عند انكشاف حاله ( لأن الحكم إذا ثبت لعلة فالقياس أن يزول ) ذلك الحكم ( بزوالها ) أي تلك العلة ( وعلة عقد الأخوّة التعاون في الدين ) والمثابرة على أموره ( ولا يستمر ذلك مع مقارفة المعصية ) وارتكابها ؟ ( فأقول ) في الجواب : ( أما كونه ألطف فلما فيه من الرفق والاستمالة والتعطف المفضي ) كل واحد من ذلك ( إلى الرجوع ) إلى الحق ( والتوبة ) عن المعصية ( لاستمرار الحياء عند دوام الصحبة ) والرفقة ( ومهما قوطع ) بالمباينة ( وانقطع طمعه عن الصحبة أصر ) على المعصية ( واستمر ) على حالته التي هو فيها ، ( وأما كونه أفقه فمن حيث أن الأخوة عقد ) بين المتواخيين ( ينزل منزلة القرابة ) القريبة ، ( فإذا انعقدت تأكد الحق ووجب الوفاء بموجب العقد ) المذكور وصيغته أن يقول : آخيتك في اللّه ورسوله ،