تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
تنبيهه على ما لا يعلمه فهو عين الشفقة وهو استمالة القلوب أعني قلوب العقلاء ، وأما الحمقى فلا يلتفت إليهم فإن من ينبهك على فعل مذموم تعاطيته أو صفة مذمومة اتصفت بها لتزكي نفسك عنها كان كمن ينبهك على حية أو عقرب تحت ذيلك وقد همت بإهلاكك ، فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك والصفات الذميمة عقارب وحيات وهي في الآخرة مهلكات فإنها تلدغ القلوب والأرواح وألمها أشد مما يلدغ الظواهر والأجساد وهي مخلوقة من نار اللّه الموقدة ، ولذلك كان عمر رضي اللّه عنه يستهدي ذلك من إخوانه ويقول : رحم اللّه امرأ أهدى إلى أخيه عيوبه ، ولذلك قال عمر لسلمان وقد قدم عليه : ما الذي بلغك مني مما تكره ؟ فاستعفى فألح عليه فقال : بلغني أن لك حلتين تلبس إحداهما بالنهار والأخرى بالليل ، وبلغني انك تجمع بين أدامين على مائدة واحدة . فقال عمر رضي اللّه عنه : أما هذان فقد كفيتهما فهل بلغك غيرهما ؟ فقال : لا . وكتب حذيفة المرعشي إلى يوسف بن أسباط : بلغني أنك بعت دينك
شرح
ذلك العيب ( فأما تنبيهه على ما لا يعلمه فهو من الشفقة ) وفي نسخة فهو عين الشفقة ( وهو استمالة للقلوب ) أي طلب لميلها إلى الحق ( أعني قلوب العقلاء ) الصافية النقية ، ( وأما الحمقى ) الذين فسد جوهر عقلهم ( فلا يلتفت إليهم فإن من نبهك على فعل مذموم تعاطيته أو صفة مذمومة اتصفت بها لتزكي نفسك عنها ) وتطهرها عن المذام ( كان كمن ينبهك على حية أو عقرب تحت ذيلك وأنت لا ترى ) وقد همت بإهلاكك ، ( فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك ) وما أبلد فهمك ، ( والصفات المذمومة عقارب وحيات وهي في الآخرة مهلكات فإنها تلدغ القلوب والأرواح وألمها أشد مما يلدغ الظواهر والأجساد ) لأنها حينئذ لا تقبل الرقى ، ( وهي مخلوقة من نار اللّه الموقدة ) التي أوقدها اللّه تعالى وما أوقده لا يطفئه غيره ( التي لا تطلع إلا على الأفئدة ) أي لا تعلو إلا على أوساط القلوب وتشتمل عليها وتخصيصها بالذكر لأن الفؤاد ألطف ما في البدن وأشد تألما أو لأنه محل العقائد الزائغة ومنشأ الأعمال القبيحة . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في قوله : « تطلع على الأفئدة » قال : تأكل كل شيء منه حتى تنتهي إلى فؤاده ، ( ولذلك كان عمر رضي اللّه عنه يستهدي ذلك من إخوانه ويقول : رحم اللّه امرأ أهدى إلى أخيه عيوبه ) ولفظ القوت أهدى إلى أخيه نفسه ، ( وكذلك قال لسلمان ) الفارسي رضي اللّه عنهما ( وقد قدم عليه ) من بعض أعماله : ( ما الذي بلغك عني مما تكره فاستعفى ) أي طلب العفو ( فألح عليه ) في القول ؟ ( فقال : بلغني أن لك حلتين تلبس إحداهما بالنهار والأخرى بالليل ) والحلة إزار ورداء ، ( وبلغني أنك جمعت بين أدامين على مائدة واحدة ، فقال : أما هاتان فقد كفيتهما ، فهل بلغك غيرهما ؟ فقال : لا . وكتب حذيفة ) بن قتادة ( المرعشي ) رحمه اللّه تعالى ( إلى يوسف بن أسباط ) رحمه اللّه