تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
ما يراه لنفسه . وقد نظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في فدان فوقف أحدهما يحك جسمه فوقف الآخر ، فبكى وقال : هكذا الإخوان في اللّه يعملان للّه فإذا وقف أحدهما وافقه الآخر . وبالموافقة يتم الإخلاص ومن لم يكن مخلصا في إخائه فهو منافق ، والإخلاص استواء الغيب والشهادة واللسان والقلب والسر والعلانية والجماعة والخلوة والاختلاف والتفاوت في شيء من ذلك مماذقة في المودة وهو دخل في الدين ووليجة في طريق المؤمنين ، ومن لم يقدر من نفسه على هذا فالانقطاع والعزلة أولى به من المؤاخاة والمصاحبة ، فإن حق الصحبة ثقيل لا يطيقه إلا محقق فلا جرم أجره جزيل لا يناله إلا
شرح
الإيمان ، ( وهو أن لا يرى لأخيه إلا ما يراه لنفسه ) في سائر الشؤون ، ولفظ القوت فهذا حقيقة في صدق الإسلام لا يكون مسلما حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه . ( نظر أبو الدرداء ) رضي اللّه عنه ( إلى ثورين يجريان في قرن ) محركة هو الحبل يقرن به بين اثنين . وفي بعض النسخ : في فدان وهو الخشب الذي يوضع على رقبتي الثورين ، ولفظ القوت : إلى ثورين يحرثان . ( فوقف أحدهما يحك جسمه ) لفظ القوت : جلده ( فوقف الآخر ) لوقوفه ( فبكى أبو الدرداء وقال : هكذا الإخوان في اللّه تعالى يعملان للّه ) تعالى ويتعاونان على أمر اللّه تعالى ، ( فإذا وقف أحدهما وافقه الآخر ) ولفظ القوت : وقف الآخر لوقوفه ، وفي الحلية لأبي نعيم من طريق سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد قال : مرّ ثوران على أبي الدرداء وهما يعملان فقام أحدهما ووقف الآخر ، فقال أبو الدرداء : إن في هذا لمعتبرا . ( وبالموافقة يتم الاخلاص ومن لم يكن مخلصا في إخائه فهو منافق ) باطنه مخالف لظاهره ؛ ( والإخلاص ) كما قال بعض الصوفية ( استواء الغيب والشهادة واستواء الخلوة والجماعة واستواء اللسان والقلب واستواء السر والعلانية والاختلاف والتفاوت في شيء من ذلك مما ذكر مماذقة في الود ) قد شابه بكدر ، ( وهو دخل في الدين ووليجة في طريق المؤمنين ) وفي نسخة المسلمين ، ولفظ القوت فمن حقيقة المؤاخاة في اللّه عز وجل إخلاص المودة بالغيب والشهادة واستواء القلب مع اللسان واعتدال السر مع العلانية ، وفي الجماعة والخلوة فإذا لم يختلف ذلك فهو إخلاص الأخوة وإن اختلف ذلك ففيه مداهنة في الأخوة ومماذقة المروءة ، وذلك دخل في الدين ووليجة في طريق المؤمنين ولا يكون ذلك مع حقيقة الإيمان ، ( ومن لم يقدر ) وفي نسخة ومن لا يقدر ( من نفسه على هذا ) ولم يوفق ( فالانقطاع والعزلة والانفراد أولى به من المؤاخاة والمصاحبة فإن حق الصحبة ثقيل لا يطيقه إلا محقق ) ملك زمام نفسه وأرشدها إلى سلوك طريق الآخرة ، ( ولا جرم أجره جزيل ) وثوابه نبيل ( لا يناله إلا موفق ) وإليه يلحظ ما تقدم من حديث عائشة رضي اللّه عنها قال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أجرك على قدر نصبك » .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 114 | مرتضى الزبيدي