تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
الخلق . وقد انتهى السلف في الحذر عن المماراة والحض على المساعدة إلى حد لم يروا السؤال أصلا . وقالوا : إذا قلت لأخيك قم فقال : إلى أين ؟ فلا تصحبه ، بل قالوا : ينبغي أن يقوم ولا يسأل . وقال أبو سليمان الداراني : كان لي أخ بالعراق فكنت أجيئه في النوائب فأقول : أعطني من مالك شيئا فكان يلقي إليّ كيسه فآخذ منه ما أريد ، فجئته ذات يوم فقلت : أحتاج إلى شيء . فقال : كم تريد ؟ فخرجت حلاوة إخائه من قلبي .
شرح
وقال الحراني : السعة المزيد على الكفاية من نحوها إلى أن ينبسط إلى ما وراء امتدادا ورحمة وعلما ولا تقع السعة إلا مع إحاطة العلم والقدرة وكمال الحكم والإفاضة في وجوه الكفايات ظاهرا وباطنا عموما وخصوصا ، وذلك ليس إلا للّه . أما المخلوق فلم يكن يصل إلى حظ من السعة أما ظاهرا فلم يقع منه ولا يكاد ، وإما باطنا بخصوص حسن الخلق ففساده يكاد انتهى . وكان إبراهيم بن أدهم يقول : إن الرجل ليدرك بحسن خلقه ما لا يدركه بما له لأن المال عليه فيه زكاة وصلة أرحام وأشياء أخر وخلقه ليس عليه فيه شيء . قال العراقي : رواه أبو يعلى الموصلي ، والطبراني في مكارم الأخلاق ، وابن عدي في الكامل ، وضعفه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة انتهى . قلت : وكذا رواه البزار وأبو نعيم ، وأما البيهقي فإنه أخرجه من طريق الطبراني وقال : تفرد به عبد اللّه بن سعيد المقبري عن أبيه ، وروي من وجه آخر ضعيف عن عائشة انتهى . وفي الميزان عبد اللّه بن سعيد هذا واه بمرة ، وقال العلائي : منكر الحديث متروك ، وقال يحيى : استبان كذبه . وقال الدارقطني : متروك ذاهب وساق له أخبارا منها هذا ثم قال ، وقال البخاري : تركوه . وأما سند أبي يعلى فقال العلائي : أنه حسن . ( والمماراة مضادة لحسن الخلق ) كادا لا يجتمعان ، ( وقد انتهى السلف في الحذر عن المماراة والحض على المساعدة ) وعدم الاختلاف ( إلى حد لم يروا السؤال أيضا وقالوا : إذا قلت لأخيك قم فقال : إلى أين فلا تصحبه ) فإن فيه نوع مخالفة في الظاهر ، وهذا وأمثاله وإن كان جائزا في الشرع ولكن لأهل الباطن فيه خصوص وتقييد يرون مخالفته خروجا عن الحد ، ( و ) كذا ( قالوا : بل يقوم ) في أول وهلة ( ولا يسأل ) ولا يتردد . ولفظ القوت : وينبغي أن لا يخالفه في شيء ولا يعترض عليه في مراد ، قال بعض العلماء : إذا قال الأخ لأخيه قم بنا فقال : إلى أين فلا تصحبه . ( وقال أبو سليمان الداراني ) رحمه اللّه تعالى : ( كان لي أخ بالعراق فكنت أجيئه في النوائب ) أي الشدائد ( فأقول : أعطني من مالك شيئا فكان يلقي إلي الكيس ) الذي فيه المال ، ( فآخذ منه ما أريد ، فجئته ذات يوم فقلت أحتاج إلى شيء فقال : كم تريد ؟ فخرجت حلاوة إخائه من قلبي ) كذا في القوت . ( وقال آخر : إذا طلبت من أخيك مالا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 108 | مرتضى الزبيدي