تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
قيل لبعض الأدباء : كيف حفظك للسر ؟ قال : أنا قبره . وقد قيل : صدور الأحرار قبور الأسرار ، وقيل : إن قلب الأحمق في فيه ولسان العاقل في قلبه . أي لا يستطيع الأحمق اخفاء ما في نفسه فيبديه من حيث لا يدري به ، فمن هذا يجب مقاطعة الحمقى والتوقي عن صحبتهم بل عن مشاهدتهم . وقد قيل لآخر : كيف تحفظ السر ؟ قال : أجحد المخبر وأحلف للمستخبر ، وقال آخر : أستره واستر أني أستره وعبر عنه ابن المعتز فقال :
ومستودعي سرا تبوأت كتمه * فأودعته صدري فصار له قبرا
وقال آخر وأراد الزيادة عليه :
وما السر في صدري كثاو بقبره * لأني أرى المقبور ينتظر النشرا
شرح
( وقيل لبعض الأدباء : كيف حفظك للسر ؟ قال : أنا قبره ) كذا في القوت أي أنا أكتمه كما يكتم القبر على الميت ، ( وقد قيل : صدور الأحرار قبور الأسرار ) هو قول مشهور على ألسنة الناس ، ( وقيل : إن قلب الأحمق في فيه ) أي فمه ( ولسان العاقل في قلبه ) وهذا أيضا مشهور من قول الحكماء ، وقد نظموا هذا المعنى في أبيات مشهورة ( أي لا يستطيع الأحمق إخفاء ما في نفسه فيبديه للناس من حيث لا يدري به ) أي لا يدري طرق المضرة فيه ، ( فمن ههنا تجب مقاطعة الحمقى ) والبعد عنهم ( والتوقي عن صحبتهم ) وعشرتهم ، ( بل عن مشاهدتهم ) فإنه ضرر صرف ، ( وقد قيل للآخر : كيف حفظك للسر ؟ فقال : أجحد المخبر ) أي أنكر معرفته ( وأحلف للمستخبر ) نقله صاحب القوت ، ( وقال آخر ) وقد سئل عن حفظ السر فقال : ( أستره واسترأني أستره وعبر عنه ابن المعتز فقال ) : هو المنتصر باللّه عبد اللّه بن المعتز باللّه أبي عبد اللّه محمد بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد العباسي الشاعر المفلق ، ووالده ثالث عشر خليفة . ولفظ القوت : ومن أحسن ما سمعت في حفظ السر ما حدثني بعض أشياخنا من إخوان له دخلوا على عبد اللّه بن المعتز فاستنشده شيئا من شعره في حفظ السر فأنشدهم على البديهة :( ومستودعي سرا تبوأت كتمه * فأودعته صدري فكان له قبرا )ولفظ القوت : فصار له ( قبرا ) . ( وقال آخر وأراد الزيادة عليه ) ولفظ القوت : فخرجنا من عنده فاستقبلنا محمد بن داود الأصبهاني فسألنا من أين جئنا فأخبرناه بما أنشدنا ابن المعتز في السر فاستوقفنا ثم أطرق مليا قال اسمعوا قولي :( وما السر في صدري كثاو بقبره * لأني أرى المقبور ينتظر النشرا