ومن الآداب إحضار جمع من أهل الصلاح زيادة على الشاهدين اللذين هما ركنان للصحة ، ومنها أن ينوي بالنكاح إقامة السنّة وغض البصر وطلب الولد وسائر الفوائد التي ذكرناها ، ولا يكون قصده مجرد الهوى والتمتع فيصير عمله من أعمال الدنيا ولا يمنع ذلك هذه النيات ، فرب حق يوافق الهوى . قال عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه : إذا وافق الحق الهوى فهو الزبد بالنرسيان . ولا يستحيل أن يكون كل واحد من حظ النفس وحق
شرح
المسلمين على أنهم ما منعوهم في المساجد والمحافل والأسواق والخلو بينه وبين الأجنبي في المكاتب وتعليم الصنعة وغير ذلك ، ولأنهم كالرجال في النظر في الحل والحرام اه .
( ومن الآداب إحضار جمع من أهل الصلاح ) والتقوى ( زيادة على الشاهدين اللذين هما ركنان للصحة ولأنه ورد الأمر بالاعلان فيه ، وهو اشهار أمره ، ولا يكون ذلك إلا بجمع من الناس ، وإنما خص أهل الصلاح لأجل حصول البركة بحضورهم ، ( ومنه أن ينوي بالنكاح إقامة السّنة ) حيث حث عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم في أخبار كثيرة تقدمت ، ( و ) ينوي معه ( غض البصر ) عن المحارم فإنه أعظم أسبابه ، ( و ) ينوي أيضا حصول ( الولد ) لاستمرار ذكره في الدنيا ( وسائر الفوائد التي ذكرناها ) آنفا ، ( ولا يكون قصده ) منه ( مجرد ) اتباع ( الهوى والتمتع ) بالجماع ودواعيه ، ( فيصير ) حينئذ ( من أعمال الدنيا ) لا من أعمال الآخرة ، ( ولا يمنع ذلك هذه النيات ) الكثيرة ، ( فربّ حق ) شرعي ( يوافق الهوى ) النفساني .
( قال عمر بن عبد العزيز ) الخليفة الأموي ( رحمه اللّه تعالى : إذا وافق الحق هوى فهو الزبد بالنرسيان نقله صاحب القوت . والزبد : بالضم خلاصة السمن . والنرسيان بكسر النون والسين المهملة بينهما راء ساكنة ثم تحتية مفتوحة وألف ونون واحدته نرسيانة . قال في البارع هي فعليانة بكسر الفاء باتفاق الأئمة والعامة تفتح النون وهو خطأ ، وبعضهم يجعل النون زائدة ويقول أصله رسيانة فيكون فعلانة ، وهو نوع من التمر جيد . وقال أبو حاتم : النرسانة نخلة عظيمة الجذع سوداء رقيقة الخرص كثيرة الشوك بسوقها صفراء عظيمة ، وفي المثل : أطيب من الزبد بالنرسيان ، وإذا وافق الحق الهوى فهو الزبد مع النرسيان بضرب مثلا للأمر يستطاب ويستعذب كذا في المصباح ، وذكره الزمخشري نحو ذلك ، وقد علم أن هذا ليس بقول لعمر بن عبد العزيز وإنما هو مثل قديم ، واللّه اعلم .
( ولا يستحيل أن يكون كل واحد من حظ النفس وحق الدين باعثا معا ) على وجه التشارك فيجمع له بين لذة عاجلة وثواب آجل ، ( ويستحب أن يقعد في المسجد ) والمراد به مسجد الحي وهو أقرب المساجد إلى منزله ، ولا يشترط أن يكون المسجد الأعظم ، وقد ذكر هذا ابن الصلاح واستدل له بحديث عائشة مرفوعا « أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد » رواه الترمذي وقال : غريب .
قلت : رواه من طريق عيسى بن ميمون عن القاسم عن عائشة بزيادة « واضربوا عليه