تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
مشغوفة بهممهم غير غافلة عن مهماتهم ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لعلو درجته لا يمنعه أمر هذا العالم عن حضور القلب مع اللّه تعالى ، فكان ينزل الوحي وهو في فراش امرأته ، ومتى سلم مثل هذا المنصب لغيره فلا يبعد أن يغير السواقي ما لا يغير البحر الخضم فلا ينبغي أن يقاس عليه غيره . وأما عيسى صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنه أخذ بالحزم لا بالقوّة واحتاط لنفسه ولعل حالته كانت حالة يؤثر فيها الاشتغال بالأهل أو يتعذر معها طلب الحلال أو لا يتيسر فيها الجمع بين النكاح والتخلي للعبادة ، فآثر التخلي للعبادة ، وهم أعلم بأسرار أحوالهم وأحكام أعصارهم في طيب المكاسب وأخلاق النساء وما على الناكح من غوائل النكاح وما له فيه ،
شرح
مستغرقة بهممهم غير غافلة عن مهماتهم . وروي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه كان يقول : أنا أجهز جيشي وأنا في الصلاة . ونقل الشهاب السهروردي في العوارف عن عمه أبي النجيب أنه كان يقول : أنا آكل وأنا أصلي يشير به إلى أن أكله لا يمنعه من حضوره مع اللّه تعالى ، فإذا كان هذا في آحاد أمته فكيف به صلّى اللّه عليه وسلم ؟ ( فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لعلو درجته ) ورفعة مقامه وجلالة منصبه ( لا يمنعه أمر هذا العالم ) أي عالم الملك ( من حضور القلب مع اللّه تعالى ) وشهوده في حضرة المعاينة ومن علو درجته ( كان ينزل عليه الوحي وهو في فراش امرأته ) قال العراقي : رواه البخاري من حديث أنس « يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه واللّه ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها » . ( ومتى يسلم مثل هذا المنصب لغيره ) صلّى اللّه عليه وسلم ، ( فلا يبعد أن يغير السواقي ) وهي الخلجان الصغار التي تستقي من البحر العظيم ( ما لا يغير البحر العظيم ) ومن أمثالهم .ومن ورد البحر استقل السواقيا « 1 »( فلا ينبغي أن يقاس عليه غيره ، ومن هنا لما قال أصحاب الشافعي : إن النكاح شهوة لا عبادة كما دل عليه نص الأم ، وقال أصحاب أبي حنيفة : هو عبادة استثنى التقي السبكي من الخلاف نكاحه صلّى اللّه عليه وسلم قال : فإنه عبادة قطعا وقد تقدم . ( وأما عيسى صلوات اللّه عليه ) وسلامه ، ( فأخذ بالحزم ) لنفسه لا بالقوة ( واحتاط لنفسه ) أي أخذ بالاحتياط ( ولعل حالته ) التي كان متصفا بها ( كانت حالة يؤثر فيها الاشتغال بالأهل أو يتعذر معها طلب الحلال أو لا يتيسر فيها الجمع بين النكاح والتخلي للعبادة ، فآثر التخلي للعبادة وهم ) صلوات اللّه عليهم ( أعلم بأسرار أحوالهم ) وبواطن معاملاتهم ( وأحكام أعصارهم ) التي كانوا فيها ( في طيب المكاسب وأخلاق النساء وما على
هامش
( 1 ) البيت للمتنبي وصدره : قواصد كافور توارك غيره .