والفكر وسير الباطن والكسب يشوّش عليه ذلك فترك النكاح أفضل .
فإن قلت : فلم ترك عيسى عليه السلام النكاح مع فضله ؟ وإن كان الأفضل التخلي لعبادة اللّه فلم استكثر رسولنا صلّى اللّه عليه وسلم من الأزواج ؟ فاعلم أن الأفضل الجمع بينهما في حق من قدر ومن قويت منته وعلت همته فلا يشغله عن اللّه شاغل ورسولنا عليه السلام أخذ بالقوة وجمع بين فضل العبادة والنكاح ، ولقد كان مع تسع من النسوة متخليا لعبادة اللّه وكان قضاء الوطر بالنكاح في حقه غير مانع كما لا يكون قضاء الحاجة في حق المشغولين بتدبيرات الدنيا مانعا لهم عن التدبير حتى يشتغلوا في الظاهر بقضاء الحاجة وقلوبهم
شرح
العبادات ، ( وإن كان عبادته بالعلم ) أي الاشتغال به حضورا والقاء وتصنيفا ( والفكر ) أي المراقبة في ذكر اللّه تعالى ( وسير الباطن ) بقطع المنازل ومنازلة الأسرار ، ( و ) كان ( الكسب ) مما ( يشوّش عليه ذلك ) ويمنعه ( فترك النكاح أفضل لأن المقصود بالذات هو عدم الاشتغال عن اللّه ، وهذا قد يسر له سير الباطن ولم يتيسر له السلوك في العبادات البدنية ، فالأفضل في حقه ترك ما يشوّش عليه . وقد تقدم كلام ابن الهمام في قولهم : الأفضل كذا فراجعه ، واللّه أعلم .
( فإن قلت : فلم ترك عيسى عليه السلام النكاح مع فضله ) وتخلى لعبادة اللّه عز وجل ، ( وإن كان التخلي لعبادة اللّه أفضل فلم استكثر رسولنا صلّى اللّه عليه وسلم من الأزواج ) وكل من حالهما مناقض للآخر ؟ ( فاعلم أن الأفضل الجمع بينهما في حق من قدر ) على ذلك ، ( ومن غلبت منته ) بضم الميم أي قوته ( وعلت همته ) في السير إلى مولاه ( فلا يشغله عن اللّه شاغل ) ولا يصرفه عنه صارف ، ( فرسولنا صلّى اللّه عليه وسلم أخذ بالقوة وجمع بين فضل العبادة والنكاح ) وأعطي من كل منهما الحظ الأوفر ، ( ولقد كان مع تسع من النسوة في عصمته وهن : سودة ، وعائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وزينب ، وأم حبيبة ، وجويرية ، وصفية ، وميمونة رضي اللّه عنهن .
قال البخاري في صحيحه : حدثنا مسدد حدثنا ابن زريع ، حدثنا سعيد عن قتادة ، عن أنس رضي اللّه عنه قال : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم « كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة وله تسع نسوة » هكذا أخرجه في كتاب النكاح ، وقال في كتاب الغسل : « وهن احدى عشرة » لكن قال ابن خزيمة : تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه ، وجمع ابن حبان في صحيحه بين الروايتين بحمل ذلك على حالتين .
وقال الحافظ بن حجر : تحمل رواية هشام على أنه ضم مارية وريحانة إليهن وأطلق عليهن لفظ نسائه تغليبا اه .
( متخليا لعبادة اللّه ) تعالى ( وكان قضاء الوطر ) أي الحاجة ( بالنكاح في حقه غير مانع ) عن الحضور مع اللّه تعالى ( كما لا يكون قضاء الحاجة في حق المشغولين بتدبرات الدنيا مانعا لهم عن التدبر ) المذكور ( حتى يشتغلوا في الظاهر بقضاء الحاجة ) فيما يرى ( وقلوبهم