تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
فإن قلت : فمن أمن الآفات فما الأفضل له التخلي لعبادة اللّه أو النكاح ؟ فأقول يجمع بينهما لأن النكاح ليس مانعا من التخلي لعبادة اللّه من حيث إنه عقد ، ولكن من حيث الحاجة إلى الكسب فإن قدر على الكسب الحلال فالنكاح أيضا أفضل لأن الليل وسائر أوقات النهار يمكن التخلي فيه للعبادة ، والمواظبة على العبادة من غير استراحة غير ممكن ، فإن فرض كونه مستغرقا للأوقات بالكسب حتى لا يبقى له وقت سوى أوقات المكتوبة والنوم والأكل وقضاء الحاجة ، فإن كان الرجل ممن لا يسلك سبيل الآخرة إلا بالصلاة النافلة أو الحج وما يجري مجراه من الأعمال البدنية فالنكاح له أفضل لأن في كسب الحلال والقيام بالأهل والسعي في تحصيل الولد والصبر على أخلاق النساء أنواعا من العبادات لا يقصر فضلها عن نوافل العبادات ، وإن كان عبادته بالعلم
شرح
وبتقدير صرفه عن ذلك بما ذكرناه ، فلا يكون دليلا على عدم الوجوب فأقل درجاته أن يكون قاصرا لدلالته على الطرفين اه سياق الولي العراقي . ( فإن قلت : فإن أمن الآفات ) المذكورة وكان قادرا على المؤن ( فالأفضل له التخلي لعبادة اللّه أو النكاح ؟ فأقول ) في الجواب ( يجمع بينهما أي بين التخلي والنكاح ، وهذا خلاف ما تقدم في أوّل هذا الكتاب عن النووي ان القادر غير التائق إن تخلى للعبادة فهو أفضل ، وإلّا فالنكاح أفضل له من تركه اه . وقد علل المصنف للجمع فقال : ( لأن النكاح ليس مانعا من التخلي لعبادة اللّه من حيث أنه عقد ، ولكن من حيث الحاجة إلى الكسب ) فإن المشغول بالكسب ربما تستغرق أوقاته في تحصيل ما يؤمله فيمنعه من التخلي لا محالة ، ( فإن قدر على الكسب الحلال فالنكاح أيضا أفضل له لأن الليل ) بتمامه ( وسائر أوقات النهار ) أي باقيها مما سلمت له من الاشغال ( يبقى التخلي فيه للعبادة ) بأنواعها من صلاة وقراءة وذكر وتفكر ومراقبة ، ( والمواظبة على العبادة من غير استراحة ) النفس ( غير ممكن ) لما جبلت النفوس على الملل ، ( فإن فرض كونه مستغرق الأوقات بالكسب ) تمام النهار والليل ( حتى لا يبقى له وقت سوى أوقات المكتوبة ) أي الصلوات الخمس ، ( و ) سوى وقت ( النوم ) المعتاد ، ( و ) سوى وقت ( الأكل و ) ، سوى وقت ( قضاء الحاجة من الذهاب إلى الخلاء فلينظر فيه ، ( فإن كان الرجل ممن لا يسلك سبل الآخرة إلا بالصلاة ) المفروضة ( والنافلة وبالحج أو ما يجري مجراه من الأعمال البدنية ، فالنكاح له أفضل لأن كسب الحلال والقيام بالأهل ) أي بمؤنهن ( والسعي في تحصيل الولد ) لأجل بقاء النسل ، ( والصبر على أخلاق النساء ) وجفوتهن وتحصين فرجه وفرجها وتربية الأولاد وغير ذلك ( أنواع من العبادات لا يقصر فضلها ) من حيث الافراد والجمع ( على نوافل العبادات ) مع أن في غالب الأوصاف المذكورة تعدي نفع بخلاف نوافل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 83 | مرتضى الزبيدي