للقلب أولى بترك النكاح لأن عمل القلب إلى العفو أقرب ، وإنما يراد فراغ القلب للعبادة ولا تتم عبادة مع الكسب الحرام وأكله واطعامه ، فهكذا ينبغي أن توزن هذه الآفات بالفوائد ويحكم بحسبها ، ومن أحاط بهذا لم يشكل عليه شيء مما نقلنا عن السلف من ترغيب في النكاح مرة ورغبة عنه أخرى ، إذ ذلك بحسب الأحوال صحيح .
شرح
البصر ) عن المحرمات ، ( ولكن لا يقوى على دفع الأفكار الشاغلة ) الردية ( للقلب أولى بترك النكاح ) ، وقوله : أولى خبر لقوله فالحالة ( لأن عمل القلب إلى العفو أقرب ) إذ لا يطلع عليه إلا مولاه ، ( وإنما يراد فراغ القلب ) عن الغير ( للعبادة ) والحضور فيها ، ( ولا تتم عبادة مع الكسب الحرام وأكله وإطعامه فلو اكتسب الحرام ولم يأكل منه ولم يطعم عياله منه فالوزر أخف ، ( فكذا ينبغي أن توزن هذه الآفات بالفوائد ) أي يعتبر بعضها ببعضها وسمي الاعتبار وزنا مجازا ، ( ويحكم بحسبها ) والعارف المتبصر لا يخفى عليه شيء من هذه الاعتبارات . ( ومن أحاط بهذا ) الذي ذكرناه ( لم يشكل عليه شيء مما نقل عن السلف من ترغيب في النكاح مرة ورغبة عنه أخرى ) حتى كادت الأقوال يصادم بعضها بعضا ، ولذا وقع التطرق في الإنكار على كلام الصوفية واختلافهم في ذلك ولا إنكار عليهم ( إذ ذلك ) الاختلاف ( بحسب الأحوال صحيح وحيث ذكر المصنف هذا التفصيل الجامع في حكم النكاح فلنذكر ما وعدنا به سابقا من أقوال الأئمة فيه ، وفيهما ما يرشد إجمالا إلى بعض ما فصله المصنف .
قال الولي العراقي في شرح التقريب في شرح حديث ابن مسعود « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج » الحديث ما نصه السادسة فيه الأمر بالنكاح لمن تاقت نفسه واستطاعه بقدرته على مؤنته ، وهذا مجمع عليه ، لكنه عند جمهور العلماء من السلف والخلف على طريق الاستحباب دون الإيجاب فلا يلزمه التزوّج ولا التسري سواء خاف العنت أم لا . حكاه النووي عن العلماء كافة ، ثم قال : ولا نعلم أحدا أوجبه إلا داود ومن وافقه من أهل الظاهر ، وروايته عن أحمد فإنهم قالوا يلزمه إذا خاف العنت أن يتزوّج أو يتسرى قالوا : وإنما يلزمه في العمر مرة واحدة ولم يشترط بعضهم خوف العنت . قال أهل الظاهر : إنما يلزمه التزوّج فقط ولا يلزمه الوطء اه وفيه نظر .
فهذا الذي ذكر أنه رواية عن أحمد هو المشهور عن مذهبه ، وظاهر كلام أصحابه تعين النكاح ، وعنه رواية أخرى بوجوبه مطلقا وإن لم يخف العنت كما حكاه النووي عن بعضهم ، وعبارة ابن تيمية في المحرر : النكاح للتائق سنّة مقدمة على نفل العبادة إلا أن يخشى الزنا بتركه فيجب وعنه يجب عليه مطلقا اه .
وللوجوب عند خوف العنت وجه في مذهب الشافعي حكاه الرافعي عن شرح مختصر الجويني ، وقال النووي في الروضة : هذا الوجه لا يحتم النكاح بل يخير بينه وبين التسري ومعناه ظاهر اه .