القلب فينقضي الليل والنهار ولا يتفرغ المرء فيهما للتفكر في الآخرة والاستعداد لها .
ولذلك قال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه : من تعوّد أفخاذ النساء لم يجئ منه شيء ، وقال أبو سليمان رحمه اللّه : من تزوّج فقد ركن إلى الدنيا أي يدعوه ذلك إلى الركون إلى الدنيا ، فهذه مجامع الآفات والفوائد ، فالحكم على شخص واحد بأن الأفضل له النكاح أو العزوبة مطلقا قصور عن الإحاطة بمجامع هذه الأمور بل تتخذ هذه الفوائد والآفات معتبرا ومحكا ويعرض المريد عليه نفسه ، فإن انتفت في حقه الآفات واجتمعت الفوائد بأن كان له مال حلال وخلق حسن وجد في الدين تام لا يشغله النكاح عن اللّه وهو مع
شرح
والاستقصاء في الشيء والتمتع التلذذ ( وتثور من النكاح ) أي تحدث وترتفع ( أنواع من الشواغل الملهية من هذا الجنس ) والنوع ( فيستغرق القلب ) أي يعمه ( فينقضي الليل والنهار على هذا الاستغراق في تلك الشواغل وتحدث منه في كل ساعة استغراقات متعددة ، ( ولا يتفرغ المرء فيهما ) أي في الليل والنهار ( للفكر في ) أمور ( الآخرة ) أصلا ، ( و ) لا في ( الاستعداد لها ) من الأعمال الصالحة والتجارات الرابحة ، ( ولذلك قال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى : من تعود أفخاذ النساء ) إشارة إلى كثرة المضاجعة ( لم يجيء منه شيء ) نقله صاحب القوت . أي : لم يرج له الترقي إلى مقام كمال أصلا ، ومن هنا قولهم : ذبح العلم بين أفخاذ النساء فإن من انتبه للذة أفخاذهن استولين على قلبه فلا يزال مقهقرا وراءه حتى يهلك ، وذكر السخاوي في تاريخه في ترجمة ابن الشحنة ما معناه : من توعد لحن النساء لم يجيء منه شيء .
( وقال أبو سليمان ) الداراني رحمه اللّه تعالى : ( من تزوج ) أو سافر أو كتب الحديث ( فقد ركن إلى الدنيا ) تقدم هذا القول قريبا . وفي كتاب العلم أيضا ( أي يدعو ذلك إلى الركون إلى الدنيا ) أي : ولو لم يركن إليها في الحال ، ولكن من شأن تلك الأوصاف المذكورات تجر إلى الدنيا ولو في آخر نفس وهذا مشاهد ، فإن الرجل لم يزل في سكون وسلامة حتى إذا تزوج وفتح على نفسه الباب فلا يكاد يفي بخرجه دخله فلا محالة يميل إلى تحصيل الدنيا ويركن إليها من كل وجه ، وكذا المسافرة للتجارات وطلب الحديث لغير اللّه عز وجل فكل هؤلاء أسباب للركون ( فهذه مجامع الآفات والفوائد ) فصلناها لك تفصيلا . ( فالحكم على شخص واحد بأن الأفضل له النكاح أو العزوبية مطلقا قصور عن الإحاطة بمجامع هذه الأمور ) وما فيها من القول والرد ، ( بل تتخذ هذه الفوائد والآفات معتبرا ) أي محلا للاعتبار ( ومحكا وهو الحجر الذي يسن عليه الحديد هذا هو الأصل ، ( ويعرض المريد عليه نفسه ) ويحكها عليه ، ( فإن انتفت في حقه الآفات ) المذكورة ( واجتمعت الفوائد ) المسطورة ( بأن كان له مال حلال ) لم يحوجه إلى كسب حرام وقناعة ( وخلق حسن ) يملك به نفسه ( وجد في الدين تام ) بحيث ( لا يشغله النكاح عن اللّه تعالى ) أي إتيان مأموراته واجتناب منهياته ، ( وهو ) مع ذلك