وروي أن الهارب من عياله بمنزلة العبد الهارب الآبق لا تقبل له صلاة ولا صيام حتى يرجع إليهم ، ومن يقصر عن القيام بحقهن وإن كان حاضرا فهو بمنزلة هارب ، فقد قال تعالى :
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
[ التحريم : 6 ] أمرنا أن نقيهم النار كما نقي أنفسنا ، والإنسان قد يعجز عن القيام بحق نفسه ، وإذا تزوّج تضاعف عليه الحق وانضافت إلى نفسه نفس أخرى والنفس أمارة بالسوء إن كثرت كثر الأمر بالسوء غالبا ، ولذاك اعتذر بعضهم عن التزويج وقال : أنا مبتلي بنفسي وكيف أضيف إليها نفسا أخرى . كما قيل :
لن يسع الفأرة في جحرها * علقت المكنس في دبرها
وكذلك اعتذر إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه وقال : لا أغر امرأة بنفسي ولا حاجة لي
شرح
فقال : أعطيت الرقيق قوتهم ؟ قال : لا . قال : فانطلق فاعطهم ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « كفى إثما أن تحبس عمن تملك قوته » .
( وروي أن الهارب من عياله بمنزلة العبد الآبق ) من سيده ( لا تقبل له صلاة ولا صيام حتى يرجع إليهم ) كذا نقله صاحب القوت ، ( ومن يقصر عن القيام بحقهن ) وفي نسخة :
بحقهم ( وإن كان حاضرا ) عندهم ( فهو هارب ) معنى ، ( وقد قال ) اللّه ( تعالى )يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً) فأضاف الأهل إلى النفس ، و ( أمر ) نا ( أن نقيهم النار ) بتعليم الأمر والنهي ( كما نقي أنفسنا ) باجتناب النهي ، ( والإنسان قد يعجز عن القيام بحق نفسه ، وإذا تزوج تضاعف عليه الحق ) ضعفين ( وانضافت إلى نفسه نفس أخرى ) فيعجز عن قيامه بحكم حال نفس أخرى ويعالج شيطانا آخر مع شيطانه ، ( والنفس أمّارة بالسوء إن كثرت كثر الأمر بالسوء غالبا فالتخلي لمن لا يقدر على معالجة شيطانين أفضل وله في مجاهدة نفسه ومصابرة هواه أكبر الاشتغال ، ( ولذلك اعتذر بعضهم عن التزويج ) لما عرض عليه ( وقال : أنا مبتلي بنفسي ) مشغول في مجاهدتها ، ( فكيف أضيف إليها نفسا أخرى ) وهذا اعتذار صحيح لمن لم يقدر على القيام بالحقين ( كما قيل ) في الأمثال :( لن يسع الفأرة في جحرها * علقت المكنس في دبرها )الفأرة : حيوان معروف ، وجحرها بضم الجيم الشق الذي تسكنه ، والمكنس بالكسر ما يكنس به ، والدبر بضم فسكون مخفف من الدبر بضمتين كما في : رسل ورسل يضرب مثلا لمن لا يقدر على تحمل شيء فيزيد عليه ما يثقله بالزيادة كما قالوا في قولهم : إنها لضغث على إبالة .
( وكذلك اعتذر إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى لما عرض عليه التزويج ( وقال : لا أغر امرأة بنفسي ولا حاجة لي فيهن ) رواه صاحب الحلية من طريق بقية بن الوليد . قال : لقيت إبراهيم بن أدهم بالساحل فقلت له : ما شأنك لا تتزوج ؟ قال : ما تقول في رجل غر امرأة وجوّعها . قلت : ما ينبغي هذا .