تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 771

مساهمون:

ص٧٧١
شرح
بالقاضي فإن القاضي فيه وصفان . أحدهما : الوجوب ، والثاني : كونه نائبا عن اللّه تعالى والعالم ليس فيه إلا الأول فقط .

فصل [ في أحسن أحوال الفقيه ]

أحسن أحوال الفقيه أن يشتغل بالعلم للّه تعالى ولا يأخذ عليه شيئا ويكتسب بتجارة أو زراعة أو صناعة إن قدر على ذلك ولم يعطله عن العلم ، فإن عطله ذلك عن العلم لم يكن له ما يقوم فإن تيسر . له رزق حلال ممن يسوقه اللّه على يده بلا شبهة ، فذلك فضل من اللّه تعالى والتناول من الجهات الموقوفة للعلم قريب إذا قام بشروطها ، وهي تتفاوت بالنظر إلى حل مال صاحبها وغير ذلك ، فإذا صحت فهي جيدة وليست كالكسب لأنها على كل حال تشبه الأجر على العلم ففيها نقص من هذا الوجه ، ولكن لا يجري فيها الخلاف في أخذ الأجر على العلم لأنها ليست أجرا حقيقة ، وقد تكلم أهل العصر في كونها إجارة أو جعالة وكله خبط . والصواب أنها صدقة بصفة ، فالذي يأخذها لاتصافه بتلك الصفة ودخوله في الوقت بذلك فإن تعلم العلم وعلمه للّه خالصا وأخذ ذلك لاتصافه بتلك الصفة فذلك أحسن المراتب ولا ينقص ذلك من ثواب تعلمه وتعليمه شيئا ، وإن تعلم وعلّم لينال ذلك لم يحصل له ثواب إلا أن يغير اللّه قصده بعد ذلك وتناول العلوم بعد اتصافه بالاستحقاق وبالصفة المحضة لا يشبه أجرة ولا جعلا ولا رزقا وتناوله قبله ليتعلم أو يعلم ، كتناول الرزق الذي يجعله الإمام من بيت المال على ذلك حلال . والحاصل ؛ أن المدارس كالأرزاق وأخذها كأخذ الرزق على العلم ، فإن نظر الطالب أو المدرّس في حال اشتغاله إليها ولم يشتغل إلا لأجلها فلا أجر له ، وإن كان يشتغل فيه لكن سكنت نفسه بسببها ولولاها لم يشتغل لضرورة كسبه فله أجر ولكنه دون القسم الثالث ، وهو أن يعرض عن ملاحظتها بالكلية ويكون اشتغاله للّه تعالى خالصا ، بحيث لو قطعت أو لم تكن لم تتفاوت الحال عنده ، وإن حصلت أخذها كالنحلة . فهذا أرفع الدرجات وعليه يحمل حال السلف الذين كانت لهم الارزاق من بيت المال ، وفي الحال الثاني والثالث لا يأتي الخلاف في أخذ الأجرة على العلم ، وفي الحال الأول قد يأتي باعتبار قصده ، ومع ذلك ليس من الرشوة في شيء لأن الرشوة صاحبها يتوصل بها إلى غرض لنفسه ، وهذه صاحبها يتوصل بها إلى غرض للمتعلم وللمسلمين وللّه تعالى وهو نشر العلم فلا معنى للرشوة ههنا أصلا بخلاف الذي يعطي عالما مالا ليعلمه . مسألة : فهذه هي التي ظهر اختلاف العلماء فيها لعود الغرض فيها إلى الباذل فإن اشترك هذان القسمان فالأخذ على ما هو واجب وللعلماء اختلاف فيه ، ولكن المرتبتان مختلفتان والخلاف في الثانية أظهر منه في الأول ، وأما الأرزاق بجميع وجوهه فلا خلاف فيه إلا ما أشرنا إليه بالنسبة إلى غرض الآخذ له .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 771 | مرتضى الزبيدي