شرح
فصل
وفي السير الكبير للإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما اللّه تعالى تخريج شمس الأئمة السرخسي ما نصه : وإذا بعث ملك العدو إلى أمير الجند هدية فلا بأس أن يقبلها ويصرفها للمسلمين ، لان النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يقبل هدية المشركين في الابتداء ، ثم لما ظهر منهم مجاوزة الحد في طلب العوض أبي قبول الهدية منهم بعد ذلك وقال : « إنا لا نقبل زبد المشركين » فبهذا تبين أن للأمير رأيا في قبول ذلك ، فإن طمع في إسلامهم فهو مندوب إلى تألفهم ، وإن لم يطمع في إسلامهم فله أن يظهر الغلظة عليه برد الهدية ، فإن قبلها كان ذلك فيئا للمسلمين لأنه ما أهدي إليه لعينه بل لمنفعته بالمسلمين ، فكان هذا بمنزلة المال المصاب بقوة المسلمين ، وهذا بخلاف ما كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الهدية ، فإن قوته ومنفعته لم يكن بالمسلمين على ما قال اللّه تعالىوَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[ المائدة : 67 ] فلهذا كانت الهدية له خاصة ، ثم الذي حمل المشرك على الإهداء إليه خوفه منه وطلبه الرفق به وبأهل مملكته وتمكنه من ذلك بعسكره ، فكانت الهدية بينه وبين أهل العسكر ، وكذلك إن كانت الهدية إلى قائد من قوّاد المسلمين ممن له عدة ومنعة لأن الرهبة منه والرغبة في التألف معه بالهدية ليرفق به وبأهل مملكته إنما كان باعتبار منعته وذلك بمن تحت رايته وبجميع أهل العسكر ، وإن كان أهدى إلى بعض المبارزين أو إلى رجل من عرض الحبش ، فذلك له خاصة لأن الهدية إلى مثله لم تكن على وجه الخوف منه أو طلب الرفق به ، وإن كان فذلك الخوف باعتبار قوته في نفسه إذ لا يقع له فيكون ذلك سالما له خاصة ، وعلى هذا قالوا : من أهدى إلى مفت أو واعظ شيئا فإن ذلك سالم له خاصة . لأن الذي حمل المهدي على الإهداء إليه والتقرب معنى فيه خاصة بخلاف الهدي إلى الحكام ، فإن ذلك رشوة لأن المعنى الذي حمل المهدي على التقرب إليه ولايته الثابتة بتقليد الإمام إياه ، والامام في ذلك نائب عن المسلمين ، والأصل في ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلم « هدايا الأمراء غلول » يعني إذا حسبوا ذلك لأنفسهم ، فذلك بمنزلة الغلول منهم ، والغلول : اسم خاص لما يؤخذ من المغنم فعرفنا أن ذلك بمنزلة الغنيمة ، وتخصيص الأمير بذلك دلنا على أن مثله في حق الواحد من عرض الناس لا يكون غلولا . وفي الحديث « فهلا جلس في بيت أبيه وأمه » وفيه إشارة إلى ما قلنا اه .