تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 769

مساهمون:

ص٧٦٩
شرح
رزق وكان ممن يجوز أن يفرض له فقال للمتحاكمين : لا أحكم بينكما حتى تجعلا لي جعلا ، فالمحكي عن الشيخ أبي حامد وهو المذكور في تعليق القاضي أبي الطيب أنه يحل له ذلك ، وعليه جرى الجرجاني في التحرير . قال ابن الصباغ : ويجوز مثل ذلك لأنه لم يذكر أنه طلبه من أحدهما ، واعتبر البندنيجي في جواز ذلك أن يكون مشغولا في معاشه بحيث يقطعه النظر عن اكتساب المادة كما قاله في الحاوي ، أما إذا لم يقطعه إما لغناه بما يستمده وإما لقلة المحاكمات التي لا تمنعه من الاكتساب ، فلا يجوز أن يرتزق من الخصوم ، ثم اعتبر في الحاوي في حالة الجواز مع ما ذكرناه ثمانية شروط . أحدها : أن يعلم به الخصمان قبل التحاكم فإن لم يعلماه إلا بعد الحكم يجز أن يرتزقهما . الثاني : أن يكون على الطالب والمطلوب . الثالث : أن يكون عن إذن الإمام ، فإن لم يأذن لم يجز . الرابع : أن لا يجد متطوّعا فإن وجد لم يجز . الخامس : أن يعجز الإمام عن دفع رزقه فإن قدر لم يجز . السادس : أن يكون ما يرتزقه من الخصوم غير مضرّ بهم ، فإن أضربهم وأثرى عليهم لم يجز . السابع : أن لا يستزيد على قدر حاجته فإن زاد لم يجز . الثامن : أن يكون قدر المأخوذ مشهورا يتساوى فيه جميع الخصوم وإن تفاضلوا في المطالبات فإن فاضل بينهم لم يجز إلا أن يتفاضلوا في الزمان فيجوز . قال : وفي هذا معرة على المسلمين ، ولئن جاز في الضرورات فواجب على الامام وكافة المسلمين أن يزال مع الإمكان إما بأن يتطوع بينهم بالقضاء من هو أميل ، وإما أن يقام لهذا بالكفاية ، فلو اجتمع أهل البلد مع أعوان بيت المال على أن جعلوا للقاضي رزقا من أموالهم جاز وكان أولى من أن يأخذ من أعيان الخصوم ، وأطلق في كتاب القسمة القول بأنه لا يجوز للقاضي أن يأخذ شيئا من الرعية إذا لم يكن له رزق من بيت المال .

فصل [ في اخذ القاضي الأجرة ]

قال ابن القاص في كتاب أدب القاضي ، قال مالك والأوزاعي ، وابن أبي ليلى ، والثوري ، وأبو حنيفة : لا بأس أن يأخذ القاضي أجرة . وروي عن عثمان : لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرة ولا صاحب مغنمهم ، ومعناه من غير بيت المال أو يكون على الاختيار له لأنه قد روي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان يرزق شريحا كل شهر مائة درهم ، وحجة أخرى أن القاضي عامل من عمال المسلمين ، وقد . جعل اللّه للعاملين على الصدقة في كتابه سهما ، وهذا كله إذا كان من مال اللّه عز وجل منهم أو أجراه السلطان . وقال الشافعي رحمه اللّه تعالى في كتاب الصدقات : ولو أهدى إلى الساعي رجل من أهل عمله فأخذ هديته وأثابه عليها حلت له ، فإن لم يثبه عليها فليجعلها في الصدقات لا يحل له عندي غير ذلك ، وإن أعطاه رب المال فحرام أخذه ، فأما أن يهدي إليه على طريق الهدايا لا على طريق الرزق على عمله ، فإن الشافعي قال في كتاب القاضي : ولا يقبل من أحد الخصمين هدية حتى ينفذ خصومتهما ، وحكي محمد بن الحسن في كتابه عن أبي حنيفة أنه قال : لا ينبغي للقاضي أن يقبل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 769 | مرتضى الزبيدي