تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 759

مساهمون:

ص٧٥٩
كان جاهه بولاية تولاها من قضاء أو عمل أو ولاية صدقة أو جناية مال أو غيره من الأعمال السلطانية حتى ولاية الأوقاف مثلا ، وكان لولا تلك الولاية لكان لا يهدي إليه فهذه رشوة عرضت في معرض الهدية إذ القصد بها في الحال طلب التقرب واكتساب المحبة ولكن الأمر ينحصر في جنسه ، إذ ما يمكن التوصل إليه بالولايات « 1 » لا يخفى وآية أنه لا يبغي المحبة أنه لو ولي في الحال غيره لسلم المال إلى ذلك الغير ، فهذا مما اتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة واختلفوا في كونه حراما ، والمعنى فيه متعارض فإنه دائر بين الهدية المحضة وبين الرشوة المبذولة في مقابلة جاه محض في غرض معين ، وإذا تعارضت
شرح
قال التقي السبكي : الهدية لا يقصد بها إلا استمالة القلب ، والرشوة يقصد بها الحكم الخاص مال القلب أو لم يمل . فإن قلت : العاقل إنما يقصد استمالة قلب غيره لغرض صحيح ، أما مجرد استمالة القلب من غير غرض أجر فلا ؟ قلت : صحيح لكن استمالة القلب له بواعث . منها : أن تترتب عليه مصلحة مخصوصة معينة كالحكم مثلا فههنا المقصود تلك المصلحة ، وصارت استمالة القلب وسيلة غير مقصودة لأن القصد متى علم بعينه لا يقف مع سببه ، فدخل هذا في قسم الرشوة . ومنها : أن تترتب عليه مصالح لا تنحصر إما أخروية كالأخوة في اللّه تعالى والمحبة وقيل ثوابها وما أشبه ذلك لعلم أو دين ، فهذه مستحبة والإهداء لها مستحب . ومنها : أن تكون دنيوية كالتوصل بذلك إلى أغراض له لا تنحصر بأن يكون المستمال قلبه صاحب جاه ، فإن كان جاهه بالعلم والدين فذلك جائز وهل هو جائز بلا كراهة أو بكراهة تنزيه ؟ اقتضى كلام الغزالي في الإحياء الثاني ومراده في القبول للهدية وهو صحيح لأنه قد يكون أكل بعلمه أو دينه ، أما الباذل فلا يكره له ذلك وإن كان جاهه بأمر دنيوي فإن لم يكن ولاية بل كان له وجاهة بمال أو صلة عند الأكابر ويقدر على نفعه ، فهذا لا يكره الإهداء إليه لهذا الغرض ، وأما قبوله فهو أقل كراهة من الذي قبله ، بل لا تظهر فيه كراهة لأنه لم يأكل بعلمه ولا دينه وإنما هو أمر دنيوي ولم يخرج من حد الهدية فلا كراهة . ( فإن كان جاهه لولاية تولاها من قضاء أو عمل أو ولاية صدقة أو جباية مال أو غير من الأعمال السلطانية حتى ولاية الأوقاف مثلا ، وكان لولا تلك الولاية لما أهدي إليه فهذه رشوة عرضت في معرض الهدية إذ القصد بها في الحال طلب التقرب واكتساب المحبة ولكن الأمر ينحصر في جنسه إذ ما يمكن التوصل إليه بالولاية لا يخفى وآية أنه لا تبقى المحبة إلا به أنه لو ولي في الحال غيره لسلم المال إلى ذلك الغير ، فهذا ما اتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة واختلفوا في كونه حراما ، والمعنى فيه متعارض فإنه دائر بين الهدية
هامش
( 1 ) في الإحياء « الآيات » بدلا من « الولايات » .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 759 | مرتضى الزبيدي