المشابهة القياسية وعضدت الأخبار والآثار أحدهما تعين الميل إليه . وقد دلت الأخبار
شرح
المحضة وبين الرشوة المبذولة في مقابلة جاه محض في غرض معين ، وإذا تعارضت المشابهة القياسية وعضدت الأخبار والآثار أحدهما تعين الميل إليه ) .
وعبارة السبكي في فصل المقال : وإن كان جاهه ولاية ولم يقصد حكما منه وإنما قصد استمالة قلبه عسى أن ينتفع به في مهماته وينال بمحبته خيرا ، فهذا محل التردد يحتمل أن يقال : إنه هدية لكونه ليس له غرض خاص ، ويحتمل أن يقال هو رشوة لكون المهدى إليه في مظنة الحكم ، فاستدل الغزالي بحديث ابن اللتبية على التحريم وبكون هذا ، وإن كان القصد استمالة القلب من غير قصد خاص خرج من قسم الهدية ودخل في قسم الرشوة بالحديث ، والذي أقوله : إن هذا قسم متوسط بين الهدية والرشوة صورة حكما وأن حكمه أن يجوز القبول ويوضع في بيت المال ، وحكم ما سواه من الهدايا يؤخذ ويمتلكه المهدى له ، وحكم الرشوة أن يؤخذ بل يرد إلى صاحبها ، وإنما صار حكم القسم المتوسط هكذا بالحديث ، وسره أنه بالنسبة إلى صورته جاز الأخذ لإعراض المعطي عنه وعدم تعلق قصده بعضو خاص وبالنسبة إلى معناه ، وإن المعطى له نائب عن المسلمين جعلت للمسلمين بأن كان واليا عاملا أو قاضيا وإن كان عامل صدقة جعلت في الصدقات الذي هو نائب عن أصحابها .
فإن قلت : فإذا كان المهدى إليه غير حاكم ؟ قلت : إن كان نائبه أو حاجبه أو من ندبه وولاه اتصال الأمور وما أشبه ذلك فهو مثله ، وعلى الجملة كل من تولى ولاية يتعين عليه ذلك الفعل فيها أو يجب وإن لم يتعين كما إذا كان اثنان في وظيفة يحرم على كل منهما أن يأخذ على شغل مما يجب أو يحرم .
فإن قلت : فإن كان مما لا يجب ولا يحرم بل يجوز هل يجوز الأخذ عليه ؟ قلت : هذا في حق المتولي عزيز فإنه يجب عليه رعاية المصالح ، فمتى ظهرت مصلحة في شيء وجب ، ومتى ظهر خلافها حرم ، ومتى أشكل وجب النظر فأين يوجد في فعل القاضي ونحوه ممن يلي أمور المسلمين مما يتخير بين فعله وتركه على سبيل التشهي ، وإن فرض ذلك فيحرم الأخذ عليه أيضا لأنه نائب عن اللّه تعالى في ذلك الفعل ، فكما لا يأخذ على حله لا يأخذ على فعله . وأعني بهذا ما يتصرف فيه القاضي غير الأحكام من التولية ونحوها ، فلا يجوز له أن يأخذ من أحد شيئا على أن يوليه نيابة قضاء أو مباشرة وقف أو مال يتيم ، وكذلك لا يجوز له أن يأخذ شيئا على ما يتعاطاه من العقود والفروض والفسوخ ، وإن لم تكن هذه الأشياء أحكاما بمعنى أنها ليست تنفيذا لما قامت به الحجة بل إنشاء تصرفات مبتدأة ، ولكن الأخذ عليها يمتنع كالحكم لأنه نائب فيها عن اللّه تعالى كما هو نائب في الحكم عنه .
( وقد دلت الأخبار على تشديد الأمر في ذلك قال ) رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وسلم : « يأتي على الناس