محبة غيره لعين المحبة بل لفائدة في محبته ولكن إذا لم تتعين تلك الفائدة ولم يتمثل في نفسه غرض معين يبعثه في الحال أو المآل سمي ذلك هدية وحل أخذها .
الخامس : أن يطلب التقرب إلى قلبه وتحصيل محبته لا لمحبته ولا للأنس به من حيث أنه أنس فقط بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض له ينحصر جنسها وإن لم ينحصر عينها وكان لولا جاهه وحشمته لكان لا يهدى إليه ، فإن كان جاهه لأجل علم أو نسب فالأمر فيه أخف وأخذه مكروه ، فإن فيه مشابهة الرشوة ولكنها هدية في ظاهرها ، فإن
شرح
وأما مرسل عطاء الخراساني فأخرجه مالك في الموطأ بلفظ : « تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء » وهو جيد .
( وعلى الجملة فلا يقصد الإنسان في الغالب أيضا محبة غيره لعين المحبة بل لفائدة في محبته ) وفي بعض النسخ : بل محبته لفائدة . ( ولكن إذا لم تتعين تلك الفائدة ولم يتمثل في نفسه غرض معين يتبعها في الحال أو المآل فمن ذلك هدية وحل أخذها ) فالهدية والهدي والهدى والإهداء والتهادي كله راجع إلى معنى الميل والإمالة ، ولما كانت العطية تميل قلب من يعطي له إلى من يعطيها سميت هدية لذلك ، ومنه الحديث المذكور فجعل التهادي سببا للتحابب ، والهدية سببا في المحبة ، والمحبة ميل القلب والتحابب والتوادد واستمالة القلوب محبوب في الشرع بهذا الحديث وبغيره ، فلذلك استحبت الهدية لما يترتب عليها من الأمر المطلوب شرعا وهو التوادد الذي يحصل به التعاون على مصالح الدنيا والآخرة ، ويكون عباد اللّه إخوانا كما أمرهم نبيهم صلّى اللّه عليه وسلم .
قال التقي السبكي فإن قلت : المهدي يتوصل بهديته إلى محبة المهدى إليه ، والراشي يستميل المرتشي حتى يحكم له فلم اختص كل منها باسم ؟ قلت : المهدي ليس له غرض معين إلا استمالة القلب والراشي له غرض معين وهو ذلك الحكم وليس غرضه استمالة القلب ، بل قد يكون يكرهه ويلعنه ففي الهدية تودد خاص بها وتوصل مشترك بينهما وبين الرشوة وإن افترقا في المتوصل إليه ، وفي الرشوة توصل خاص لا غير فخصصنا كلّا منها باسم وميزنا بينهما بما اختصا به وألغينا في الهدية المشترك ، وأيضا لما كان المتوصل إليه بالهدية محبوبا في الشرع كان هو المعتبر في التسمية ولم ينظر إلى السبب ، ولما كان المتوصل إليه بالرشوة حراما في الشرع لم يعتبر ، وإما اعتبر في التسمية السبب فقط لأنه لم يقصد الراشي والمرتشي غيره فكانت تسمية كل منهما باعتبار مقصد فاعلهما .
( القسم الخامس : أن يطلب التقرب إلى قلبه وتحصيل محبته لا لمحبته ولا للأنس به فقط ، بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض له ينحصر جنسها وإن لم ينحصر نوعها ) وفي بعض النسخ : وإن لم يتخصص عينها ( وكان لولا جاهه وحشمته لما أهدى إليه ، فإن كان جاهه لأجل علم أو نسب فالأمر فيه أخف وأخذه مكروه ) كراهة تنزيه ، ( فإن فيه شائبة الرشوة ولكنها هدية في ظاهرها ) .