الغائلة الثالثة : أن يتحرك قلبك إلى حبه لتخصيصه إياك وإيثاره لك بما أنفذه إليك فإن كان كذلك فلا تقبل فإن ذلك هو السم القاتل والداء الدفين أعني ما يحبب الظلمة إليك ، فإن من أحببته لا بدّ أن تحرص عليه وتداهن فيه . قالت عائشة رضي اللّه عنها : جبلت النفوس على حب من أحسن إليها . وقال عليه السلام : « اللهم لا تجعل
شرح
طيلسان مرتفع فطرح عليه ، فلم يرفع رأسه حتى فرغ من حاجته ، فلما سلّم نظر فإذا الساج عليه .
قال : فانتفض ولم ينظر إليه ومضى إلى منزله .
( الغائلة الثالثة : أن يتحرك قلبك إلى حبه ) والميل إليه ( لتخصيصه إياك ) دون غيرك ( وإيثاره لك بما أنفذه إليك ، فإن كان كذلك فلا تقبل ) منه أبدا ( فإن ذلك هو السم القاتل ) لدقته ( والداء الدفين ) الذي أعيا منه الأطباء . ( أعني ما يحبب الظلمة إليك ، فإن ما أحببته لا بدّ وأن تحرص عليه وتداهن فيه ) بمقتضى الطبع البشري .
( قالت عائشة رضي اللّه عنها ترفعه ) إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ( « جبلت النفوس ) أي خلقت وطبعت وفي رواية القلوب ( على حب من أحسن إليها » ) بقول أو فعل وبغض من أساء إليها ، وذلك لأن الآدمي مركب على طبائع شتى وأخلاق متباينة ، والشهوات فيه مركبة . ومن رؤوس الشهوات نيل المنى وقضاء الوطر ، فمن بلغ نفس غيره مرامها فلنفسه أقامها فإذا أحسن إليها صفت وصارت طوعا له ، وإلّا فهي كالمكره ، فاستبان أن الألفة إنما تتم ببر النفوس كأنها تقول :
شأني اللذات لا الطاعات فهل يبرّ بي أحد حتى أحبه . قال ابن عطاء : من أحسن إليك فقد استرقك بامتنانه ، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه .
تنبيه :
قول المصنف : قالت عائشة إلى آخره هذا غلط ، فإنه ما روى إلا من حديث ابن مسعود ، ولم أر أحدا من الحفاظ نسبه إلى عائشة مطلقا . وقوله : ترفعه مع غلطة فيه اختلاف هل هو مرفوع أو موقوف على أبن مسعود من قوله ، - كما سيأتي بيان ذلك - ثم وجدت بعد ذلك في كتاب المقاصد للحافظ السخاوي : إن هذا الحديث أخرجه القضاعي مرفوعا من جهة ابن عائشة فظهر لي أن المصنف رحمه اللّه تعالى سبق نظره إلى عائشة ، فظن أنها هي أم المؤمنين وليس كذلك ، وابن عائشة رجل محدث من رجال أبي داود والترمذي والنسائي ، واسمه عبيد اللّه بن محمد بن حفص بن موسى بن عبيد اللّه بن معمر التيمي القرشي يقال له ابن عائشة نسبة إلى عائشة بنت طلحة لأنه من ذريتها ، وسيأتي سياق القضاعي . ولما رأى العراقي هذا مع ما فيه من الوقف والرفع لم يخرجه في كتابه المغني .
وأما تخريجه فقد أخرجه هكذا بلفظ « جبلت القلوب » وبزيادة الجملة الأخيرة أبو نعيم في الحلية . وأبو الشيخ في كتاب الثواب ، وابن حبان في روضة العقلاء ، والخطيب في التاريخ ،