شرح
أما الأول ، فلأنه إذا كان بإشراف نفس لم يبارك له فيه وإذا كان خائفا مما ذكر فذلك أعظم من إشراف النفس وقد يسلط عليه من يتردد إليه على معلومه عقوبة عليه معجلة .
وأما الثاني : فهو يرتكب أمرا محذورا محققا لأجل محذور مظنون توقعه في المستقبل وقد يكون وقد لا يكون وهو مطلوب في الوقت لعدم ارتكاب ذلك الفعل المذموم شرعا بل الإعانة على قضاء حوائجه وحوائج المسلمين إنما هو بالانقطاع عن أبواب هؤلاء ، والتعويل على اللّه سبحانه والرجوع إليه فإنه سبحانه هو القاضي للحوائج والدافع للمخاوف والمسخر لقلوب الخلق والمقبل بها على ما شاء كيف شاء . قال تعالى خطابا لحبيبه صلّى اللّه عليه وسلم :لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ[ الأنفال : 62 ] فذكر سبحانه هذا في معرض الامتنان على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، والعالم إذا كان متبعا له صلّى اللّه عليه وسلم سيما في التعويل على ربه سبحانه والسكون إليه دون مخلوقاته ، فإنه سبحانه يعامله بهذه المعاملة اللطيفة التي عامل بها نبيه صلّى اللّه عليه وسلم لبركة الاتباع له صلّى اللّه عليه وسلم وليسلم بذلك من التردد إلى أبواب هؤلاء كالذي يفعله بعض الناس وهو سم قاتل ، ويا ليتهم لو اقتصروا على ما ذكر لا غير بل يضمون إلى ذلك ما هو أشد وأشنع ، وهو أنهم يقولون : إن ترددهم إلى أبوابهم من باب التواضع ، أو من باب إرشادهم إلى الخير إلى غير ذلك مما يخطر لهم وهو كثير قد عمت به البلوى ، وإذا اعتقدوا ذلك فقد قلّ الرجاء عن توبتهم ورجوعهم . وقال في موضع آخر : ينبغي للعالم إذا اقطع عنه معلوم المدرسة لا يترك ما كان عليه من الاجتهاد ولا يتبرم ولا يتضجر لأنه قد يكون المعلوم قد قطع عنه اختبارا من اللّه تعالى كي يرى صدقه في علمه وعمله فإن رزقه مضمون له لا ينحصر في جهة دون أخرى . قال صلّى اللّه عليه وسلم « من طلب العلم تكفل اللّه برزقه » ومعناه يسر له من غير تعب ولا مشقة ، وإن كان اللّه تعالى تكفل برزق الكل ، ولكن حكمة تخصيص العالم بل لذكر أن ذلك يتيسر له بلا تعب ولا مشقة فجعل نصيبه من التعب والمشقة في الدرس والمطالعة والتفهم للمسائل والقائها ، وذلك من اللّه تعالى على سبيل اللطف به والإحسان إليه ، فينبغي له أن يصون هذا المنصب الشريف من التردد لمن يرجى أنه معين على إطلاق المعلوم أو المتحدث فيه أو إنشاء معلوم عوضه والعالم أولى أن يثق بربه عز وجل في المنع والعطاء ، ولا عذر له في الطلب لأجل المعاملة . لأنه إن ترك ذلك تقية على هذا المنصب لم يضيع اللّه الكريم قصده وفتح له من نصيبه ما هو أحسن له من ذلك وأعانه وسدّ خلته على ما شاء كيف شاء ، وليس رزقه بمخصوص بجهة بعينها ، إذ عادة اللّه تعالى أبدا مستمرة على أنه سبحانه يرزق من هذا حاله من غير باب يقصده أو يؤمله لأن مراد اللّه تعالى من العلماء انقطاعهم إليه وتعويلهم في كل أمورهم عليه لا ينظرون إلى الأسباب ، بل إلى مسبب الأسباب ومدبرها والقادر عليها ، وكيف لا يكون العالم كذلك وهو المرشد للخلق والموضح للطريق المستقيم للسلوك إلى اللّه تعالى ، ومن ترك شيئا للّه عوّضه اللّه خيرا منه من حيث لا يحتسب اه . كلام ابن الحاج ملخصا .
وفي طبقات الحنفية لعبد القادر القرشي في ترجمة علي بن الحسن الصندلي : أن السلطان ملك شاه