تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 725

مساهمون:

ص٧٢٥
شرح
حازم : إن خير الأمراء من أحب العلماء وإن شر العلماء من أحب الأمراء ، وكانوا فيما مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم ، وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم وكان في ذلك صلاح الامراء وصلاح العلماء ، فلما رأى ذلك ناس من الناس قالوا : ما لنا لا نطلب العلم حتى نكون مثل هؤلاء فطلبوا العلم فأتوا للأمراء فحدثوهم فرخصوا لهم ، فخربت العلماء على الامراء وخربت الأمراء على العلماء . وأخرج البيهقي في الزهد ، وابن عساكر عن سفيان قال ، قال بعض الأمراء لأبي حازم : ارفع إليّ حاجتك . قال : هيهات هيهات رفعتها إلى من لا تختزل دونه الحوائج فما أعطاني منها قنعت وما زوي عني منها رضيت . كان العلماء فيما مضى يطلبهم السلطان وهم يفرون منه وإن العلماء اليوم طلبوا العلم حتى إذا جمعوه بحذافيره أتوا به أبواب السلاطين والسلاطين يفرون منهم وهم يطلبونهم . وأخرج ابن عساكر من طريق أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي ، حدثنا الأصمعي ، عن ابن أبي الزناد ، عن أبيه قال : كان الفقهاء كلهم بالمدينة يأتون عمر بن عبد العزيز خلا ابن المسيب ، فإن عمر كان يرضى أن يكون بينهما سفير وأنا كنت الرسول بينهما . وأخرج ابن النجار في تاريخه عن مفلح بن الأسود قال : قال المأمون ليحيى بن أكتم : إني أشتهي أن أرى بشر بن الحرث . قال : إذا اشتهيت يا أمير المؤمنين فإلى الليل ولا يكون هنا ثالث فركبا فدق يحيى الباب ، فقال بشر : من هذا ؟ قال : هذا من تجب عليك طاعته . قال : وأي شيء تريد ؟ قال : أحب لقاءك . قال : طائعا أو مكرها . قال : ففهم المأمون . فقال ليحيى : اركب فمرا على رجل يقيم الصلاة صلاة العشاء الأخيرة فدخلا يصليان فإذا الإمام يحسن القراءة ، فلما أصبح المأمون وجه إليه فجاء به فجعل يناظره في الفقه وجعل الرجل يخالفه ويقول : القول في هذه المسألة خلاف هذا ، فغضب المأمون فلما كثر خلافه قال : عهدي بك كأنك تذهب إلى أصحابك فتقول : خطأت أمير المؤمنين ، فقال : واللّه يا أمير المؤمنين إني لأستحيي من أصحابي أن يعلموا أني قد جئتك . فقال المأمون : الحمد للّه الذي جعل في رعيتي من يستحيي أن يجيئني ثم سجد للّه شكرا والرجل إسحاق بن إبراهيم الحزلي . وأخرج ابن النجار في تاريخه عن سفيان قال : ما زال العلم عزيزا حتى حمل إلى أبواب الملوك فأخذوا عليه أجرا فنزع اللّه الحلاوة من قلوبهم ومنعهم العمل به . وقال ابن الحاج في المدخل : ينبغي للعالم بل يتعين عليه أن لا يتردد لأحد من أبناء الدنيا لأن العالم ينبغي أن يكون الناس على بابه لا عكس الحال أن يكون هو على بابهم ، ولا حجة له في كونه يخاف من عدو وحاسد وما أشبههما ممن يخشى أن يشوّش عليه أو يرجو أحدا منهم في دفع شيء مما يخشاه ، أو يرجو أن يكون ذلك سببا لقضاء حوائج المسلمين من جلب مصلحة أو دفع مضرة عنهم ، فهذا ليس فيه عذر .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 725 | مرتضى الزبيدي