الآخرة . فأما علماء الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم فيدلونهم على الرخص ويستنبطون لهم بدقائق الحيل طرق السعة فيما يوافق أغراضهم ، وإن تكلموا بمثل ما ذكرناه في معرض الوعظ لم يكن قصدهم الإصلاح بل اكتساب الجاه والقبول عندهم ، وفي هذا غرور ان يغتر بهما الحمقى .
أحدهما : أن يظهر أن قصدي في الدخول عليهم إصلاحهم بالوعظ وربما يلبسون على أنفسهم بذلك وإنما الباعث لهم شهوة خفية للشهرة وتحصيل المعرفة عندهم وعلامة الصدق في لب الإصلاح أنه لو تولى ذلك الوعظ غيره ممن هو من أقرانه في العلم ووقع موقع القبول وظهر به أثر الصلاح فينبغي أن يفرح به ويشكر اللّه تعالى كفايته . هذا المهم ، كمن وجب عليه أن يعالج مريضا ضائعا فقام بمعالجته غيره فإنه يعظم به فرحه ، فإن كان يصادف في قلبه ترجيحا لكلامه على كلام غيره فهو مغرور .
الثاني : أن يزعم أني أقصد الشفاعة لمسلم في دفع ظلامة ، وهذا أيضا مظنة الغرور ومعياره ما تقدم ذكره .
شرح
فيدخلون ) عليهم ( فيتقربون إلى قلوبهم ) بالاستمالة ( فيدلونهم على ) تتبع ( الرخص ويستنبطون لهم دقائق الحيل وطرق السعة فيما يوافق أغراضهم ) فيسهلون لهم الأمور ويفتون لهم بما تميل إليه نفوسهم ، ( فإن تكلموا بمثل ما ذكرناه في طريق الوعظ ) ومعرض النصيحة ( ولم يكن قصدهم الإصلاح ) لهم ( بل ) قصدهم بذلك ( اكتساب الجاه والقبول عندهم وفي هذا غرور ان يغتربهما الحمقى ) منهم .
( أحدهما أن يظهروا أن قصدهم بادخول عليهم إصلاحهم بالوعظ ) والتذكير ، ( وربما يلبسون على أنفسهم ذلك وإنما الباعث لهم شهوة خفية للشهرة ) أي لأجلها ( و ) أجل ( تحصيل المعرفة عندهم وعلامة الصدق في طلب الاصلاح أنه لو تولى ذلك الوعظ غيره ممن هو من أقرانه ) وأسنانه وأشكاله ( من العلماء ووقع موقع القبول وظهرت قرائن الصلاح ) في الموعوظ ، ( فينبغي أن يفرح بذلك ويشكر اللّه تعالى على كفايته هذا المهم ) ولو على يد غيره ، ( كمن وجب عليه ان يعالج مريضا ضائعا ليس له أحد فقام بمعالجته غيره ) وكفاه مؤنته ، ( فإنه لا محالة يعظم بذلك فرحه ) ويزداد سروره ( وإن كان يصادف في قلبه ترجيحا لكلامه على كلام غيره فهو مغرور ) وفي وعظه معذور .
( الغرور الثاني : أن يزعم أني قصدت بالدخول عليهم الشفاعة لمسلم في دفع ظلامه ) عليه إما من قبلهم أو من قبل اتباعهم ، ( وهذا أيضا مظنة الغرور ، ومعياره ما تقدم ذكره ) .
وقد روى البيهقي عن يوسف بن أسباط ، عن سفيان الثوري قال : وإياك أن تخدع ، فيقال لك ترد