مسؤول عما اجترحوا وليسوا بمسؤولين عما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك ، فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره . فقال له سليمان : يا اعرابي أما انك قد سللت لسانك وهو أقطع سيفيك . قال : أجل يا أمير المؤمنين ، ولكن لك لا عليك .
وحكي أن أبا بكرة دخل على معاوية فقال : اتق اللّه يا معاوية واعلم أنك في كل يوم يخرج عنك وفي كل ليلة تأتي عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعدا ومن الآخرة إلا قربا ، وعلى أثرك طالب لا تفوته وقد نصب لك علما لا تجوزه فما أسرع ما تبلغ العلم وما أوشك ما يلحق بك الطالب ، وإنا وما نحن فيه زائل وفي الذي نحن إليه صائرون باق إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، فهكذا كان دخول أهل العلم على السلاطين . أعني علماء
شرح
تضييعا وفي الأمة خسفا ) أي ذلا وهوانا ( وعسفا ) أي جورا وظلما ، ( وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحت ، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك ، فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره ) أي فهو كالشمعة تحرق نفسها وتضيء على غيرها .
( فقال سليمان : أما إنك يا اعرابي قد سللت لسانك ) سلّ سيفك ( وهو أقطع من سيفك ) لو سللته . ( قال : أجل ) أي نعم ( يا أمير المؤمنين ولكن لك لا عليك ) أي نفعه عائد لك ولا عليك فيه ضرر .
( وحكي أن أبا بكرة ) هو نفيع بن الحرث الثقفي الصحابي وهو أخو زياد لأمه وهي سمية أمة الحرث بن كلدة وكان أبو بكرة رجلا صالحا ورعا وكان زياد استعمل ابنه عبيد اللّه على فارس ، وابنه روادا على دار الرزق ، وابنه عبد الرحمن على بيت المال . قال الحسن البصري : مرّ بي أنس بن مالك وقد بعثه زياد إلى أبي بكرة يعاتبه ، فانطلقت معه فدخلنا عليه وهو مريض فابلغه عنه فقال : إنه يقول : ألم استعمل أولاده على كذا وكذا ؟ فقال : هل زاد على أن أدخلهم النار .
قال : فرجعنا مخصومين . قال ابن سعد والواقدي : مات أبو بكرة بالبصرة في ولاية زياد سنة خمسين وقال غيرهما سنة احدى وخمسين ( دخل على معاوية ) بن أبي سفيان رضي اللّه عنه وهو يومئذ خليفة ( فقال له : اتق اللّه يا معاوية واعلم أنك في كل يوم يخرج عنك وفي كل ليلة تأتي عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعدا ومن الآخرة إلا قربا ) فإن الأيام والليالي مثل المسافات والمنازل للمسافر ، فما من يوم وليلة إلا ويقطع منها جانبا ويؤخرها إلى وراء ( وعلى اثرك طالب لا تفوته ) أي لا تسبقه بالفوت ، ( وقد نصب لكم علم لا تجوزه ) أي لا تتعداه ( فما أسرع ما تبلغ العلم وما أوشك ما يلحق بك ) الطالب ، ( وإنا وما نحن فيه ) كله ( زائل ) فإن ( وفي الذي صائرون إليه ) أي راجعون ( باق ) لا يزول ( إن خيرا فخير وإن شرا فشرّ ) أي إن كان العمل خيرا فإنه يجزى خيرا وإن كان شرا فيجزي شرا ( فهكذا كان دخول أهل العلم ) والمعرفة باللّه ( على السلاطين . أعني ) بهم ( علماء الآخرة ) لا علماء الدنيا ، ( فأما علماء الدنيا