تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 716

مساهمون:

ص٧١٦
يقول : « إن الرجل إذا ولى ولاية تباعد اللّه عنه » ودخل مالك بن دينار على أمير البصرة فقال : أيها الأمير قرأت في بعض الكتب أن اللّه تعالى يقول : من أحمق من سلطان ومن أجهل ممن عصاني ؟ ومن أعز ممن اعتز بي ؟ أيها الراعي السوء دفعت إليك غنما سمانا صحاحا فأكلت اللحم ولبست الصوف وتركتها عظاما تتقعقع ، فقال له والي البصرة : أتدري ما الذي يجرئك علينا ويجنبنا عنك قال : لا . قال : قلة الطمع فينا ؟ وترك الاهتمام لما في أيدينا . وكان عمر بن عبد العزيز واقفا مع سليمان بن عبد الملك ، فسمع سليمان صوت الرعد فجزع ووضع صدره على مقدمة الرحل فقال له عمر : هذا صوت رحمته فكيف إذا سمعت صوت عذابه ؟ ثم نظر سليمان إلى الناس فقال : ما أكثر الناس ؟ فقال عمر : خصماؤك يا أمير المؤمنين ، فقال له سليمان : ابتلاك اللّه بهم . وحكي إن سليمان بن عبد الملك قدم المدينة وهو يريد مكة ، فأرسل إلى أبي حازم
شرح
قلت : ولكن له شاهد من حديث أبي هريرة عند الترمذي : « وما ازداد عبد من السلطان دنوا إلا ازداد من اللّه بعدا » وسنده صحيح ومن حديث عبيد بن عمير عند هناد بن السري « ومن تقرب من ذي سلطان ذراعا تباعد اللّه عنه باعا » وكل ذلك قد تقدم . ( و ) يروى أنه ( دخل مالك بن دينار ) أبو يحيى البصري العابد تقدمت ترجمته مرارا ( على أمير البصرة فقال : أيها الأمير قرأت في بعض الكتب ) السماوية يقول اللّه تعالى : ( من أحمق من السلطان ومن أجهل ممن عصاني ) وخالف أمري ( ومن أعز ممن اعتز بي ) وأطاعني . ( أيها الراعي السوء ) جعل السلطان بمنزلة الراعي الذي يرعى غنما ، وجعل الرعية بمنزلة الغنم التي تحت رعايته فقال : ( دفعت إليك غنما سمانا صحاحا فأكلت اللحم ولبست الصوف وتركتها عظاما تتقعقع ) أي تصوّت أي لم توردها مواردها ، فأنت راعي سوء أسأت في الرعية ( فقال له والي البصرة : أتدري ما الذي جرأك علينا وجنبنا عنك ؟ قال : لا . قال : قلة الطمع إلينا ) أي ليس لك طمع إلينا ، ( وترك الاهتمام بما في أيدينا ) في الأموال والأعراض . ( و ) يروى انه ( كان عمر بن عبد العزيز ) رحمه اللّه تعالى ( واقفا ) بعرفة ( مع سليمان ابن عبد الملك ) وهو يومئذ خليفة ، ( فسمع ) سليمان ( صوت الرعد فجزع ووضع صدره في مقدمة الرحل ) من خوفه ( فقال له عمر : هذا صوت رحمة ) فإنه يبشر بالغيث ، ( فكيف إذا سمعت صوت عذابه ؟ ثم نظر سليمان إلى الناس ) وهم واقفعون ( فقال : ما أكثر الناس : فقال عمر : ) هم ( خصماؤك يا أمير المؤمنين ، فقال ) له ( سليمان : ابتلاك اللّه بهم ) فكان الأمر كذلك لأنه تولى الأمر بعده . ( وحكي أن سليمان بن عبد الملك ) بن مروان يكنى أبا أيوب بويع له بعد أخيه الوليد سنة