أنفقت ؟ قال : بضعة عشر درهما . وأرى ههنا أموالا لا تطيق الجمال حملها وخرج .
فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا ألزموا وكانوا يغررون بأرواحهم للانتقام للّه من ظلمهم . ودخل ابن أبي شميلة على عبد الملك بن مروان فقال له : تكلم ؟ فقال : إن الناس لا ينجون في القيامة من غصصها ومراراتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى اللّه بسخط نفسه ، فبكى عبد الملك وقال : لأجعلن هذه الكلمة مثالا نصب عيني ما عشت .
ولما استعمل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه عبد اللّه بن عامر أتاه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبطأ عنه أبو ذر - وكان له صديقا - فعاتبه ، فقال أبو ذر : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم
شرح
فقلت : حج عمر بن الخطاب ) رضي اللّه عنه ( فقال لخازنه : كم أنفقت ) أي في هذه السفرة ؟
( قال : بضعة عشر درهما ) قال : أسرفنا ( وأرى ههنا أموالا لا تطيق الجمال حملها ) قال ذلك ( وخرج ) أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة سفيان . قال المزي في التهذيب : وساق سنده إلى عبد الرزاق قال : بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة قال : إن رأيتم سفيان فاصلبوه قال : فجاء النجارون ونصبوا الخشب ونودي سفيان فإذا رأسه في حجر الفضيل ورجلاه في حجر ابن عيينة فقالوا له : يا أبا عبد اللّه اتق اللّه ولا تشمت بنا الأعداء . قال : فتقدم إلى الأستار فأخذها ثم قال : برئت منه إن دخلها أبو جعفر . قال : فمات قبل أن يدخل مكة فأخبر بذلك سفيان فلم يقل شيئا . ( فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا أكرهوا فكانوا يفرون بأرواحهم في الانتقام للّه عز وجل ممن ظلم ) وتعدى وأساء السيرة .
( ودخل ابن أبي شميلة على عبد الملك بن مروان ) يكنى أبا الوليد بويع له بالشام في رمضان سنة خمس وستين ومات سنة ثمانين ( فقال له : تكلم . فقال : إن الناس لا ينجون يوم القيامة من غصصها ) جمع غصة كغرفة وغرف وهو ما يغص به الانسان من لقمة أو غيظ على التشبيه ( ومرارتها ومعاينة الردى فيها ) أي الهلاك ( إلا من أرضى اللّه ) عز وجل ( بسخط نفسه ، فبكى عبد الملك وقال : لأجعلن هذه الكلمات مثالا ) أي ممثلة ( نصب عيني ) أي بين عيني ( ما عشت ) أي ما دمت حيا كناية عن شدة الملازمة ، فقد روى الخليلي في الإرشاد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : « من أرضى اللّه بسخط المخلوقين كفاه اللّه مؤنة المخلوقين ، ومن أرضى المخلوقين بسخط اللّه سلط اللّه عليه المخلوقين » . وروى أبو نعيم في الحلية من حديث عائشة « من أرضى الناس بسخط اللّه وكله اللّه إلى الناس ، ومن أسخط الناس برضا اللّه كفاه اللّه » .
( ولما استعمل ) أمير المؤمنين ( عثمان بن عفان ) رضي اللّه عنه ( ابن عامر ) واليا على البصرة ( أتاه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) يسلمون عليه ( وأبطأ عنه أبو ذر ) رضي اللّه عنه ( وكان له صديقا فعاتبه ) على ترك المجيء ( فقال أبو ذر : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول :
« إن الرجل إذا ولي ولاية تباعد اللّه عنه » ) قال العراقي : لم أقف له على أصل اه .