تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 712

مساهمون:

ص٧١٢
من صدر منه ما يكره نقص ذلك من رتبته في القلب لا محالة . والمعصية ينبغي أن تكره فإنه إما أن يغفل عنها أو يرضى بها أو يكره ولا غفلة مع العلم ولا وجه للرضا فلا بدّ من الكراهة ، فليكن جناية كل أحد على حق اللّه كجنايته على حقك . فإن قلت : الكراهة لا تدخل تحت الاختيار فكيف تجب ؟ قلنا : ليس كذلك فإن المحب يكره بضرورة الطبع ما هو مكروه عند محبوبه ومخالف له ، فإن من لا يكره معصية اللّه لا يحب اللّه وإنما لا يحب اللّه من لا يعرفه والمعرفة واجبة ، والمحبة للّه واجبة ، وإذا أحبه كره ما كرهه وأحب ما أحبه . وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبة والرضا . فإن قلت : فقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين ؟ فأقول : نعم تعلم الدخول منهم فمن دخل فليكن كما حكي أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها
شرح
( من قلبه ) اي لا يكون له في قلبه وقع لقدومه أو لذكره ، ( فهذا واجب عليه لأن من صدر منه ما يكره ) أي ما هو مكروه عند اللّه تعالى ( نقص ذلك من رتبته في القلب لا محالة والمعصية ينبغي أن تكره فإنها ) لا تخلو ( إما أن يغفل عنها أو يرضى بها أو تكره ولا غفلة مع ) إحاطة ( العلم ) بها ( ولا وجه للرضا ) بها فإن الرضا بها معصية ، ( فلا بد من الكراهة فلتكن جناية كل واحد من هؤلاء ) أي من الظلمة ( على حق ) من حقوق ( اللّه تعالى كجنايته على حقك ) بل أعظم . ( فإن قلت : الكراهة لا تدخل تحت الاختيار ) يعني ليس في اختيار المرء أن يكره شيئا فقد تكون النفس مجبولة على الخلاف ، ( فكيف يجب ولا يجب ؟ قلنا : ليس كذلك ) الأمر ( فإن المحب يكره بضرورة الطبع ما هو مكروه عند محبوبه ومخالف له ) وبه يتم مقام محبته وذلك ( فإن من لا يكره معصية اللّه تعالى لا يحب اللّه ) عز وجل وفي نسخة : فإنما لا يكره معصية اللّه من لا يحب اللّه ، ( وإنما لا يحب اللّه من لا يعرفه فالمعرفة واجبة والمحبة للّه واجبة ) إذ المحبة فرع عن معرفته ، فإذا ثبتت المعرفة ثبتت كراهة المعاصي ، وإليه أشار بقوله : ( وإذا أحبه كره ما كرهه وأحب ما أحبه ) وفي نسخة : ما يكرهه وما يحبه ( وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبة والرضا ) إن شاء اللّه تعالى . ( فإن قلت : فقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين ) فلو لم يكن الدخول جائزا لما كانوا يدخلون وفي اتباعهم القدوة ؟ ( فأقول : نعم ) كانوا يدخلون ، لكن ( تعلم الدخول منهم ثم ادخل ) لا حرج عليك ، ( فقد حكى إن هشام بن عبد الملك ) بن مروان بن الحكم الأموي يكني أبا سليمان بويع له سنة خمس ومائة بعد موت يزيد بن عبد الملك ، فبقي تسع عشرة سنة وأشهرا ومات سنة خمس وعشرين ومائة في غرة ربيع الأول بالدهناء عن أربع وخمسين سنة ( قدم حاجا إلى مكة ، فلما دخل قال : ائتوني برجل من الصحابة . فقيل ) له : ( قد فنوا ) أي لم يبق
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 712 | مرتضى الزبيدي