تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 705

مساهمون:

ص٧٠٥
بشطر كلمة . ولقد سئل سفيان الثوري رضي اللّه عنه عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء ؟ فقال : لا ، دعه حتى يموت ، فإن ذلك إعانة له . وقال غيره : يسقى إلى أن تثوب إليه نفسه ثم يعرض عنه . فإن جاوز ذلك إلى إظهار الحب والشوق إلى لقائه وطول بقائه ؛ فإن كان كاذبا عصى معصية الكذب والنفاق ، وإن كان صادقا عصى بحبه بقاء الظالم وحقه أن يبغضه في اللّه ويمقته . فالبغض في اللّه واجب ، ومحب المعصية والراضي بها عاص . ومن أحب ظالما فإن أحبه لظلمه فهو عاص لمحبته وإن أحبه لسبب آخر فهو عاص من حيث إنه لم يبغضه ، وكان الواجب عليه أن يبغضه . وإن اجتمع في شخص خير وشر وجب أن يحب لأجل ذلك الخير ويبغض لأجل ذلك الشر . وسيأتي في كتاب الاخوة والمتحابين في اللّه وجه الجمع بين البغض والحب . فإن سلم من
شرح
ويقوله ( زجر عنها وتضعيف لدواعيها ) وإماتة لبواعثها ( والإعانة على المعصية معصية ) كما أن الإعانة على الطاعة طاعة ( ولو بشطر كلمة ) ، فقد روى الديلمي من حديث أنس « من أعان ظالما على ظلمه جاء يوم القيامة وعلى جبهته مكتوب آيس من رحمة اللّه » . وروى الحاكم في تاريخه من حديث ابن مسعود : « من أعان على الظلم فهو كالبعير المتردي في الركن ينزع بذنبه » . وروى ابن ماجة والحاكم والرامهرمزي في الأمثال من حديث ابن عمر : « من أعان على خصومة بظلم أو معين على ظلم لم يزل في سخط اللّه حتى ينزع » وروى ابن عساكر من حديث ابن مسعود : « من أعان ظالما سلطه اللّه عليه » . ( ولقد سئل سفيان ) الثوري رحمه اللّه تعالى : ( عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء ؟ فقال : لا . قيل له : يموت . فقال : دعه يموت ) وإنما قال ذلك مع أن في كل كبد حار رطبة أجر ، ( لأن ذلك إعانة له على ظلمه ) فهلاكه أولى وهذا فيه تشديد . ( قال غيره ) : بل ( يسقى إلى أن تثوب ) أي ترجع ( إليه نفسه ثم يعرض عنه ) وهذا أوفق بفتوى الظاهر ، ( فإن جاوز ذلك إلى إظهار الحب ) والميل الباطني ( والشوق إلى لقائه ) من مدة ( وطول بقائه ) مع الصحة والعافية ، ( فإن كان ) في ذلك ( كاذبا عصى بمعصية الكذب والنفاق ، وإن كان ) فيه ( صادقا عصى بحبه بقاء ظالم وحقه أن يبغضه في اللّه تعالى ويمقته ) ظاهرا وباطنا ، ( فالبغض في اللّه واجب ) كما أن الحب في اللّه كذلك ، ( ومحب المعصية والراضي بها عاص ) عند اللّه تعالى . ( ومن أحب ظالما فقد أحبه لظلمه ) أي لأجل ظلمه وإلا فليس للظالم ما يحب لأجله ( فهو عاص بمحبته ) له ، ( وإن أحبه لسبب آخر ) كان أعانه في واقعة أو دفع عمن يلوذ به مظلمة ، ( فهو عاص من حيث أنه لم يبغضه ) في اللّه عز وجل ، ( وكان الواجب عليه أن يبغضه ) لأجل ظلمه ، ( وإن اجتمع في شخص واحد شر وخير وجب أن يحب لأجل ذلك الخير ويبغض لأجل ذلك الشر ) وفي هذا المقام يجتمع الحب والبغض معا . ( وسيأتي في كتاب الأخوة ) الإلهية ( والمتحابين في اللّه وجه الجمع بين البغض