ينكر عليه . وقد بالغ بعض السلف حتى امتنع من رد جوابهم في السلام والإعراض عنهم استحقارا لهم ، وعدّ ذلك من محاسن القربات . فأما السكوت عن رد الجواب ففيه نظر ، لأن ذلك واجب فلا ينبغي أن يسقط بالظلم . فإن ترك الداخل جميع ذلك واقتصر على السلام فلا يخلو من الجلوس على بساطهم وإذا كان أغلب أموالهم حراما فلا يجوز الجلوس على فرشهم ؛ وهذا من حيث الفعل .
فأما السكوت ؛ فهو أنه سيرى في مجلسهم من الفرش الحرير وأواني الفضة والحرير الملبوس عليهم وعلى غلمانهم ما هو حرام . وكل من رأى سيئة وسكت عليها فهو شريك
شرح
وخمسين سنة ( يد عمر رضي اللّه عنهما لما أن لقيه بالشام فلم ينكر عليه ) وكان عمر قد ولّاه الشام وفتح اللّه عز وجل على يديه اليرموك والجابية وسرغ والرمادة . وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق معمر : حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال : لما قدم عمر الشام تلقاه الناس وعظماء أهل الأرض ، فقال عمر : أين أخي ؟ قالوا : من ؟ قال : أبو عبيدة . قالوا : الآن يأتيك فلما أتاه نزل فاعتنقه ثم دخل عليه بيته الحديث .
( وقد بالغ بعض السلف حتى امتنع من ردّ جوابهم في السلام والإعراض عنهم استحقارا لهم وجعلوه من محاسن القربات ) كأنه يشير بذلك إلى سفيان الثوري ونظرائه ، ففي أخبار الصوفية لابن باكويه الشيرازي : حدثنا عبد الواحد بن بكر ، حدثنا أحمد بن محمد بن حمدون ، حدثنا أبو عيسى الأنباري ، حدثنا فتح بن شخرف ، حدثنا عبد اللّه بن حسين ، عن سفيان الثوري أنه كان يقول : تعززوا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم .
( فاما السكوت عن رد السلام ففيه نظر ، لأن ذلك ) أي رد جواب السلام ( واجب ) إلا فيما استثنى ، ( فلا ينبغي أن يسقط بالظلم ) وقد يقال : إن ورع سفيان أدى إلى أن الظلم من جملة المستثنيات كغيره مما هو في منظومة ابن العماد ، ( فإن ترك الداخل جميع ذلك واقتصر على السلام فلا يخلو ) الحال ( من الجلوس على بساطهم ، فإذا كان أغلب أموالهم حراما فلا يجوز الجلوس على فرشهم ) فإنها مشتراة من المال الحرام أو في الذمة وأدى ثمنه من الحرام ففيه شبهة الحرام . ( هذا من حيث الفعل ) .
( فأما السكوت ، فهو أنه يرى في مجالسهم من فراش الحرير ) والديباج والمزركش بالقصب ( وأواني الفضة ) والذهب كالمرشي والمجمرة والطست والإبريق وأواني الشرب ( والحرير الملبوس عليهم وعلى غلمانهم ) الواقفين بين أيديهم ( مما هو حرام ) بالاتفاق ويزيد على ذلك صباحة وجوههم ودقة لباسهم كانوا في زي النساء فهو مع كونه منكر النظر إليهم حرام ، ( وكل من رأى منكرا وسكت عنه ) ولم يغيره بيده أو بلسانه ( فهو شريك في ذلك المنكر )