فهذه الأخبار والآثار تدل على ما في مخالطة السلاطين من الفتن وأنواع الفساد ، ولكن نفصل ذلك تفصيلا فقهيا نميّز فيه المحظور عن المكروه والمباح . فنقول : الداخل على السلطان متعرض لأن يعصي اللّه تعالى إما بفعله أو بسكوته ، وإما بقوله ، وإما باعتقاده فلا ينفك عن أحد هذه الأمور .
أما الفعل ؛ فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دور مغصوبة وتخطيها والدخول فيها بغير إذن الملاك حرام ؛ ولا يغرنك قول القائل : إن ذلك مما يتسامح به الناس كتمرة أو فتات خبز فإن ذلك صحيح في غير المغصوب ، أما المغصوب فلا . لأنه إن قيل : إن كل جلسة خفيفة لا تنقص الملك فهي في محل التسامح ؟ وكذلك الاجتياز
شرح
وفي تعليق أبي علي الآمدي عن عمارة بن سيف أنه سمع سفيان الثوري يقول : النظر إلى السلطان خطيئة .
واخرج ابن عساكر عن الأوزاعي قال : قدم عطاء الخراساني على هشام بن عبد الملك فنزل على مكحول فقال عطاء لمكحول : أهاهنا أحد يحركنا يعني يعظنا ؟ قال : نعم يزيد بن ميسرة فأتوه ، فقال له عطاء حركنا رحمك اللّه ، قال : نعم كانت العلماء إذا علموا عملوا فإذا عملوا شغلوا فإذا شغلوا فقدوا فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا . قال : أعد عليّ فأعاد عليه فرجع ولم يلق هشاما .
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن سفيان الثوري قال : ما زال العلم عزيزا حتى حمل إلى أبواب الملوك فاخذوا عليه أجرا ، فنزع اللّه الحلاوة من قلوبهم ومنعهم العمل به .
( فهذه الأخبار والآثار تدل على ما في مخالطة السلاطين من الفتن وأنواع الفساد ، ولكن نفصل ذلك تفصيلا نميز فيه المحظور عن المكروه والمباح ) الشرعيات . ( فنقول : الداخل على السلطان معرض ) أي في مثابة يعرض نفسه فيها ( لأن يعصى اللّه تعالى ) ويخالف أمره ( إما بفعله أو بسكوته ، وإما بقوله ، وإما باعتقاده ) أي على سائر الأحوال ( فلا ينفك عن هذه الأمور ) ، ووجه الاستقراء ان الداخل لا يخلو عند دخوله أن يفعل شيئا أو يسكت على شيء أو يقول شيئا أو يعتقد في نفسه شيئا ، والقول ما كان باللسان والفعل ما كان بالجوارح .
( أما الفعل : فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دور مغصوبة ) من أهلها ( وتخطّيها ) بالثمن فيها ( والدخول فيها بغير إذن الملاك حرام ) هذا هو الصحيح . ( ولا يغرنك قول القائل : إن هذا مما يتسامح به الناس ) للضرورات ( كتمرة ) مسقطة ( أو فتات خبز ) هو ما تكسر منه ، ( فإن ذلك صحيح ) ويتسامح به ( لكن غير المغصوب ، وأما المغصوب فلا . لأنه لو قيل : إن كل جلسة خفيفة لا تنقص الملك فهي في محل التسامح ،