شرح
بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك بها أصبحت شيخا كبيرا قد أثقلتك نعم اللّه عليك بما أصح من بدنك ، وأطال من عمرك وعلمت حجج اللّه تعالى بما حملك من كتابه ، وفقهك فيه من دينه ، وفهمك من سنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، فرمى بك في كل نعمة أنعمها عليك وكل حجة يحتج بها عليك الغرض الأقصى ابتلى في ذلك شكرك وأبرأ فيه فضله عليك ، وقد قاللَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ[ إبراهيم : 7 ] انظر أي رجل تكون إذا وقفت بين يدي اللّه فيسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها ، وعن حججه عليك كيف قضيتها ، ولا تحسبن اللّه تعالى راضيا منك بالتعزيز ، ولا قابلا منك التقصير ، هيهات ليس كذلك « 1 » في كتابه إذا قاللَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ[ آل عمران : 187 ] الآية إنك تقول أنك جدل ماهر عالم قد جادلت الناس فجدلتهم وخاصمتهم فخصمتهم إدلالا منك بفهمك واقتدارا منك برأيك ، فأين تذهب عن قول اللّه تعالى :ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ[ النساء : 109 ] الآية . اعلم أن أدنى ما ارتكبت وأعظم ما اقتفيت أن آنست الظالم وسهلت له طريق الغي بدنوك حين أدنيت وبإجابتك حين دعيت ، فما أخلقك أن ينوّه باسمك غدا مع الجرمة وأن تسأل بإغضائك عما أردت عن ظلم الظلمة . إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا ولا يرد باطلا حين أدناك ، وأجبت من أراد للتدليس بدعائه إياك حين دعاك . جعلوك قطبا تدور رحى باطلهم ، وجسرا يعبرون بك إلى بلائهم ، وسلما إلى ضلالتهم ، وداعيا إلى غيهم سالكا سبيلهم يدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهلاء إليهم ، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم لهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم ، واختلاف الخاصة والعامة إليهم ، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك ، وما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول ، وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في الناس مبجلا ، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته ستيرا وكيف قربك وبعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا . مالك لا تنتبه من نومتك وتستقل من عثرتك فتقول : واللّه ما قمت للّه مقاما واحدا أحيى له فيه دينا ولا أمت فيه باطلا إنما شكرك لمن استحملك كتابه واستودعك علمه فما يؤمنك أن تكون من الذين قال اللّه تعالى :فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى[ الأعراف : 169 ] إنك لست في دار مقام خلاد . أذنت بالرحيل فما بقاء أمرء بعد اقرانه طول لمن كان في الدنيا على وجل . يا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده إنك لن تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك ليس أحد أهلا أن تتركه « 2 » على ظهر ذهبت اللذة وبقيت التبعة . ما أشقى من سعد بكسبه غيره إحذر فقد أدنيت وتخلص فقد وهيت إنك تعامل من لا يجهل ، والذي يحفظ عليك لا يغفل تجهز فقد دنا منك سفر بعيد ، وداو دينك فقد دخله سقم شديد ، ولا تحسبني أني أردت توبيخك أو تعييرك وتعنيفك ، ولكن أردت أن تنعش ما فات من رأيك وترد عليك ما عزب
هامش
( 1 ) هنا بياض في الأصل .
( 2 ) بياض في الأصل .