ازداد رجل من ذي سلطان قربا إلا ازداد من اللّه بعدا . وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ويقول : إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين . وقال وهيب : هؤلاء الذين يدخلون على الملوك لهم أضر على الأمة من المقامرين . وقال محمد بن سلمة : الذباب على العذرة أحسن من قارىء على باب هؤلاء . ولما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه : عافانا اللّه وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك اللّه ويرحمك ، أصبحت شيخا كبيرا قد أثقلتك نعم اللّه لما فهمك من كتابه
شرح
من اللّه بعدا ) وفي نسخة ، إلا ازداد اللّه منه بعدا هذا قد روي في المرفوع من حديث أبي هريرة .
أخرجه أحمد والبيهقي بسند صحيح « من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى أبواب السلطان افتتن وما ازداد أحد عند السلطان قربا إلا ازداد من اللّه بعدا » . ومما يدل على النسخة الثانية ما أخرجه هناد بن السري في الزهد من حديث عبيد بن عمير مرفوعا « من تقرب من ذي سلطان ذراعا تباعد اللّه منه باعا » .
( وكان سعيد بن المسيب ) التابعي رحمه اللّه تعالى ( يتجر في الزيت ويقول : إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين ) . قال العجلي : كان سعيد لا يأخذ العطاء وكانت له بضاعة أربعمائة دينار وكان يتجر بها في الزيت .
( وقال وهيب ) بن الورد المكي رحمه اللّه تعالى : ( إن هؤلاء الذين يدخلون على الملوك أضر على ) هذه ( الأمة من المقامرين ) أورده صاحب القوت من طريق أيوب النجار عنه ، وأيوب هذا ثقة يونس يكنى أبا إسماعيل وكان قاضي اليمامة روى له البخاري ومسلم والنسائي .
( وقال محمد بن مسلمة ) بن سلمة بن حريش بن خالد الخزرجي الأنصاري أبو عبد اللّه المدني من فضلاء الصحابة رضي اللّه عنه ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من حلفاء بني عبد الأشهل :
( الذباب على عذرة ) وزان كلمة الخرء ولا يعرف تخفيفها ( أحسن من قارىء على أبواب هؤلاء ) يعني المترفهين ، هكذا نقله صاحب القوت .
( ولما خالط ) أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب ( الزهري ) رحمه اللّه تعالى ( السلطان ) يعني به عبد الملك بن مروان فإنه كان قد خالطه وقدم عليه دمشق مرارا ، وكذا ولده هشام قال سعيد بن عبد العزيز : سأل هشام بن عبد الملك الزهري أن يملي على بعض ولده شيئا من الحديث فدعا بكاتب وأملى عليه أربعمائة حديث ، ثم أتى هشاما بعد شهر أو نحوه فقال للزهري : إن ذلك الكتاب قد ضاع . قال : لا عليك فدعا بكاتب فأملاها عليه ، ثم قابل هشام بالكتاب الأول فما غادر حرف . ( كتب أخ له في الدين إليه ) ما نصه . ( عافانا اللّه وإياك أبا بكر من أيام الفتن ، فلقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك اللّه ويرحمك ) أي يدعو لك بالرحمة