- وقد ذكرنا في كتاب المستظهري المستنبط من كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار تأليف القاضي أبي الطيب في الرد على أصناف الروافض من الباطنية ما يشير إلى وجه المصلحة فيه - والقول الوجيز : أنا نراعي الصفات والشروط في السلاطين تشوّفا إلى مزايا المصالح ، ولو قضينا ببطلان الولايات الآن لبطلت المصالح رأسا ، فكيف يفوت رأس المال في طلب الربح ؟ بل الولاية الآن لا تتبع إلا الشوكة . فمن بايعه صاحب الشوكة هو الخليفة ، ومن استبد بالشوكة وهو مطيع للخليفة في أصل الخطبة والسكة فهو سلطان نافذ الحكم والقضاء في أقطار الأرض ولاية نافذة الأحكام . وتحقيق هذا قد ذكرناه في أحكام الإمامة من كتاب الاقتصاد في الاعتقاد فلسنا نطوّل الآن به .
شرح
( المتابعين للخليفة ) في وقته ، ( وقد ذكرنا في كتاب المستظهري ) وهو الذي ألفه باسم المستظهر باللّه العباسي ( ما يشير إلى وجه المصلحة فيه والقول ) المختصر ( الوجيز إنا نراعي الصفات والشروط في السلاطين تشوّقا إلى مزايا المصالح ) الدينية والدنيوية ، ( ولو قضينا ببطلان الولايات الآن لبطلت المصالح رأسا فكيف يفوت رأس المال في طلب الربح ) ؟
فالمصالح بمنزلة طلب الربح وولي الأمر بمنزلة رأس المال . ( بل الولاية الآن لا تتبع إلا الشوكة ) والعصبية بل وقبل زمان المصنف ، بل وفي كل زمان كما صرح بذلك ابن خلدون في مقدمة تاريخه ، وعقد لذلك أبوبا وفصولا ، ولذا تم الأمر لمعاوية ، ولم يتم لعلي رضي اللّه عنهما ، وتم الأمر ليزيد بعد أبيه ولم يتم للحسين بن علي رضي اللّه عنهما ، ( فمن بايعه صاحب الشوكة ) وعاضدته العصبية ( فهو الخليفة ) الأعظم ، ( ومن استبد بالشوكة ) أي استقل بها ( وهو مطيع للخليفة في أصل الخطبة والسكة فهو سلطان نافذ الحكم ) . فظهر مما تقدم أن الخلافة بالاستحقاق والسلطنة بالشوكة وقوّة السيف فإن ساعدت مع الخلافة الشوكة والعصبية فقد تم له الأمر من غير مشاركة ، فإن لم تساعد فأصحاب الشوكة سلاطين وأمراء نافذ والاحكام في البلاد مع إلإطاعة الظاهرية في إبقاء اسم الخليفة في الخطبة والسكة فقط ، وهؤلاء إن لم يكونوا مستبدين ظاهرا فهم في نفس الأمر لا تسمح نفوسهم للتبعية ، وعلى هذا كان أمراء العجم وسلاطينه ، وكذا أمراء مصر ودمشق في زمن المصنف ومن قبله كذلك ومن بعده ، وأما بعد دخول التتر إلى بغداد وإزالة الخلافة عنها أجريت رسومها بمصر على ما ذكرنا ، ثم اضمحل الأمر جدا حتى لم يبق للخليفة الا الاسم فقط ، ثم اضمحلت هذه الرسوم بأجمعها فتملكت البلاد أصحاب الشوكة وذهب اسم الخلافة فسبحان من يرث الأرض ومن عليها .
( والقضاء في أقطار الأرض ولاة نافذو الأحكام ) ولذلك يحشرون مع السلاطين كما تقدم ذلك في كتاب العلم . ( وتحقيق ذلك قد ذكرناه في أحكام الإمامة ) العظمى ( من كتاب الاقتصاد في الاعتقاد ) فليراجع ( فلسنا نطوّل الآن به ) .