المستحقين ، فإن ما لا يتعين مالكه هذا حكم الشرع فيه . فإذا كان السلطان إن لم يؤخذ منه لم يفرقه واستعان به على ظلم فقد نقول أخذه منه وتفرقته أولى من تركه في يده ، وهذا قد رآه بعض العلماء وسيأتي وجهه . وعلى هذا ينزل ما أخذه أكثرهم ، ولذلك قال ابن المبارك : إن الذين يأخذون الجوائز اليوم ويحتجون بابن عمر وعائشة ما يقتدون بهما ؟ لأن ابن عمر فرق ما أخذ حتى استقرض في مجلسه بعد تفرقته ستين ألفا ، وعائشة فعلت مثل ذلك ، وجابر بن زيد جاءه مال فتصدق به وقال : رأيت أن آخذه منهم وأتصدق أحب إليّ من أن أدعها في أيديهم ، وهكذا فعل الشافعي رحمه اللّه بما قبله من هارون الرشيد فإنه فرقه على قرب حتى لم يمسك لنفسه حبة واحدة .
شرح
المستحقين فإن ) كل ( ما لا يتعين مالكه هذا حكم الشرع فيه ) كما تقدم ، ( فإذا كان السلطان ) بحيث ( إن لم يؤخذ منه ) ذلك المال ( ولم يفرقه ) على أرباب الاستحقاق ( استعان به على ظلمه ) ويحمله على ارتكاب أسبابه ، ( فقد نقول : ) إن ( أخذه منه وتفرقته ) على من يستحقه ( أولى من تركه في يده وهذا قد رآه بعض العلماء ) جائزا . ( وسيأتي وجهه ) فيما بعد ( وعلى هذا ينزل ما أخذه أكثرهم ) متأولين بما ذكر . ( وكذا قال ابن المبارك ) رحمه اللّه تعالى : ( إن الذين يأخذون الجوائز اليوم ) من السلاطين ، ( ويحتجون بابن عمر وعائشة ) رضي اللّه عنهما وبغيرهما ( ما يقتدون بهم لأن ابن عمر فرق ما أخذ ) جميعه ( حتى استقرض في مجلسه بعد تفرقته ستين ألفا ) كما ذكر قريبا . ( وعائشة رضي اللّه عنها فعلت مثل ذلك ) وفي القوت : قال أبو عبد اللّه : من أعطى هذا أو حوبي على أثره فليقبل وليفرق كما فعل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . بعث عمر بمال إلى أبي عبيدة ففرّق وبعث مروان إلى أبي هريرة ففرق وبعث إلى ابن عمر ففرق وبعث إلى عائشة ففرقت . قال المروزي : قلت لأبي عبد اللّه فعلى أي وجه قبلها منهم ابن عمر فإن قوما يحتجون يقولون : لو لم يكن مباحا لما أخذ فأنكر ذلك وقال : إنه لما رأى أنه حوبي كره أن يرد إليهم وفرقه بالسوية ، قلت : فإن هذا فضل عنده دينار فطلبت منه امرأته فأعطاها ، فقال : كانت محتاجة إليه ، فقلت له : أنت تقول : من بلي من هذا المال بشيء فليعدل في تفريقه ، وعائشة رضي اللّه عنها لما شكا ابن المنكدر إليها قالت : لو أن لي عشرة آلاف لأعنتك فلا حرج أرسل إليها بعشرة آلاف فبعثت خلفه فأعطته فقال : إنها كانت بليت بقولها ومع هذا قد أخرجته وذكر من زهدها وورعها اه .
( وجابر بن يزيد ) أبو الشعثاء البصري ( قبل ) مالا ( فتصدق به وقال : رأيت أني آخذ منهم وأتصدق أحب إلى من أن أدعه في أيديهم ) وحاله في الورع مشهور ، ( وهكذا فعل الشافعي ) رحمه اللّه تعالى ( بما قبله من هارون الرشيد ) وهو ألف دينار ( فإنه فرقه ) على قريش كله ( عن قرب حتى لم يمسك لنفسه حبة واحدة ) وقد ذكر ذلك في ترجمته في كتاب العلم .